تريندمجتمع نبضمنوعات

الأناقة تخسر جورجيو أرماني التاريخ العريق

رحل جورجيو أرماني عن 91 عامًا في ميلانو (4 أيلول 2025)، تاركًا خلفه أكثر من اسم على واجهة متجر: ترك تعريفًا للأناقة ذاتها. كان نموذجًا للأسلوب الإيطالي الهادئ الذي يَمزج الراحة بالفخامة، وصاحب مدرسةٍ رفعت شأن الخياطة الرجالية والنسائية معًا، وشيّدت إمبراطورية تمتد من الأزياء إلى العطور والجمال والرياضة والموسيقى والفنادق الفاخرة، بإيرادات سنوية تجاوزت ملياري جنيه إسترليني. نعَته دوناتيلا فيرساتشي بعبارةٍ مُكثّفة: “خسر العالم عملاقًا”، فيما وصفته “فوغ” بـ”الرجل النبيل الحقيقي” و”عملاق الصناعة”. بين هذين الوصفين يتوزّع إرثٌ شخصيّ ومهنيّ نادر: مصمّم يعمل حتى أيامه الأخيرة، وشركة مستقلة غير مُدرجة ظلّ يمسك بدفّتها نصف قرن ويعدّ لخلافتها بهدوء.

لم يكن أرماني يطارد الصيحات، بل كان يُعيد ترتيبها. منذ السبعينيات خفّف صرامة البدلات، فكّ بطاناتها، ليّن أكتافها، وقرّبها من الجسد من دون استعراض. قال ذات مرّة: “كنتُ أول من حسّن صورة الرجال، وقوّى صورة النساء… سرقتُ من الرجال ما احتاجته النساء: البدلة”. جاءت مجموعته النسائية الأولى عام 1975 متناغمة مع روح الحركة النسوية: قصّات ناعمة تُعطي المرأة سلطةً بصرية بلا ضجيج. هكذا وُلدت لغة “البساطة المُتقنة” التي ستصير توقيع الدار لعقود.

منذ 1975 ظلّت الدار مستقلة في سوقٍ تبتلعها التكتلات. توسّعت العلامة بخطوط مثل Emporio Armani و Armani Exchange والعطور والإكسسوارات والديكور، حتى الفنادق الفاخرة. شراكات تكنولوجية (مع سامسونغ مثلًا) وبثّ عرض أزياء راقية مباشرة على الإنترنت عام 2007 سبق زمنه. هذه الشبكة لم تُبنَ بالمعجزات، بل عبر استمرارية واقعية كما وصفها بول سميث: شركة تقف على قدميها، تقيس خطواتها، وتُدير نجاحها من دون التفريط بهويّتها.

ابتكر أرماني “الجريج”، مزيج الرمادي والبيج، تحيّةً لميلانو “الرمادية” التي أحبّها. كان اللون فلسفة بقدر ما هو اختيار جمالي: اختزال، اقتصاد في الإشارة، وترف. انعكست الفكرة على حياته الشخصية أيضًا.. حياة متحفّظة بلباسٍ شبه موحّد (سترة كشمير زرقاء وسروال فلانيل)، وإدارة صارمة للتفاصيل الصغيرة التي تُراكم هوية كُبرى.

خارج منصّات العرض، لبس الرياضيون توقيعه: من أزياء فرق محترفة وزيّ حاملي العلم الإيطالي في أولمبياد تورينو 2006، إلى شراكات مع سكوديريا فيراري. كان عاشقًا للرياضة ومشجّعًا لإنتر ميلان، ومالكًا لأوليمبيا ميلانو لكرة السلة. بهذا المعنى، لم تكن “أرماني” علامة تجارية فحسب؛ كانت أداةً من أدوات القوة الناعمة الإيطالية.

حتى وهو يدخل عقده العاشر، ظلّ يُقدّم مجموعات على منصّات باريس وميلانو، وخصّص عرضه في آذار 2025 لبيانٍ عن “انسجام جديد” في عالمٍ مضطرب. حين غاب عن أسبوع ميلانو في حزيران 2025، أدار عن بُعد عرضًا راقيًا في باريس في تموز. أمّا خطة الخلافة فمرسومة على مهل: دائرة قريبة تتقدّم الصفوف، ليو ديل أوركو، شريك الحياة والعمل و”الذراع اليمنى” منذ 1977 ورئيس أزياء الرجال، ومعه سيلفانا أرماني التي تُدير مجموعات النساء، انتقال “عضوي” لا “لحظة انقطاع”، كما قال هو نفسه قبل أيام من رحيله.

ويظلّ جورجيو أرماني البوصلةً التي تشير إلى هدف واحد: أن تقول الكثير بالقليل… وأن تجعل الأناقة حقًّا إنسانيًا قبل أن تكون رفاهية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى