“الخسفة”: مقبرة “داعش” السرية التي تكشف أسرار المفقودين في العراق

ترجمة – نبض الشام
في جنوب الموصل العراقية، تختزن حفرة “الخسفة” مأساةً تفوق الوصف؛ آلاف الجثث التي ألقاها تنظيم “داعش” خلال سنوات حكمه الدموي، ما تزال شاهداً على جرائمه. اليوم، تبدأ فرق الطب العدلي العراقية مهمة شاقة في استخراج الرفات، وسط تحديات قضائية وسياسية معقدة. وبينما يتطلع ذوو الضحايا إلى معرفة مصير أحبائهم، يبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع مؤسسات الدولة إنصافهم بعيداً عن دعم المجتمع الدولي؟
الخسفة.. شاهد على الرعب
قبل سيطرة داعش على الموصل عام 2014، كان عمق “الخسفة” يقدّر بنحو 400 متر، لكنها اليوم أقل بكثير بعد أن تحولت إلى مقبرة جماعية احتوت ما لا يقل عن 4,000 جثة، ألقي بعضها بحافلات كاملة. بالنسبة لعائلات المفقودين، قد تكون الحفرة بوابة لمعرفة مصائر أحبائهم.
تنقيب وعدالة مؤجلة
بدأت فرق الطب العدلي العراقية، بإشراف قضائي، عملية استخراج الجثث. المهمة هائلة: توثيق جرائم داعش ومحاكمة مرتكبيها. ورغم أن أعداد القتلى ما تزال مجهولة، فإن ما تحويه “الخسفة” ليس سوى جزء من المأساة. لكن قرار بغداد إدارة الملف وحدها جعل مسار العدالة أكثر تعقيداً.
نهاية “يونيتاد”
قبل أحد عشر شهراً، أوقف فريق الأمم المتحدة (يونيتاد) عمله بعد طلب العراق إنهاء تفويضه. عند تأسيسه عام 2017، عُدّ مشروعاً ثورياً في العدالة الدولية، لكن نهايته تخللتها اتهامات متبادلة؛ بغداد اتهمت الفريق بحجب الأدلة، بينما اعتبر موظفوه أن نظام القضاء العراقي المعيب وعقوبة الإعدام عرقلت التعاون.
خلل مزدوج
يرى منتقدون أن تفويض “يونيتاد” كان معيباً منذ البداية، إذ لم تنجح محاولاته في تكييف الأدلة مع النظام القضائي العراقي. في المقابل، تراجعت حماسة الفريق في عامه الأخير، حتى أنه لم يحضر جلسة الأمم المتحدة في يونيو 2024 لتمديد تفويضه، كما اتُهم بالفشل في ترك خارطة طريق واضحة لاستخدام الأدلة.
نتائج محدودة
حتى إغلاقه، لم تُستخدم أدلة “يونيتاد” إلا في 15 محاكمة ناجحة، معظمها في أوروبا، فيما بقيت آمال العراقيين والسوريين وغيرهم من ضحايا “داعش” معلقة بلا نتائج ملموسة.
السيادة أولاً
لم يكن إنهاء دور “يونيتاد” مجرد خلاف قانوني، بل جزءاً من توجه العراق لتقليص إشراف الأمم المتحدة على شؤونه، بما في ذلك إنهاء بعثة المساعدة الدولية بحلول 2025، في خطوة لتأكيد السيادة الوطنية.
جرائم عابرة للحدود
جرائم “داعش” لم تكن داخلية فقط، بل ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي. هذا تجلى في إدانة أحد أعضاء التنظيم في محكمة برتغالية العام الماضي بجرائم ارتكبت في العراق، استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية. لكن خبراء يرون أن المحاكم العراقية، المسيسة والمثقلة بانتهاكات حقوق المتهمين، غير قادرة على تقديم محاكمات شفافة وعادلة بالقدر نفسه.
إصلاح أو سقوط جديد
إذا أراد العراق إثبات أن سيادته قادرة على تحقيق العدالة لضحايا “داعش”، فعليه الشروع في إصلاحات جوهرية في آليات المحاكمات وتنفيذ الأحكام. وإلا فإن الأدلة التي تُستخرج من “الخسفة” ستواجه خطر أن تُلقى في حفرة أخرى، هذه المرة في غياهب الإهمال القضائي.
بين السيادة الوطنية ومتطلبات العدالة الدولية، يقف العراق أمام اختبار مصيري: إما أن يرتقي بمؤسساته لتكفل محاسبة مرتكبي جرائم داعش بإنصاف وشفافية، أو يترك إرث الدماء مهدداً بالضياع بين الحفر والأروقة السياسية.




