
خاص – نبض الشام
في مشهد إقليمي متقلب، تواصل تركيا تثبيت وجودها العسكري داخل الأراضي السورية، وسط تحولات سياسية وعسكرية عميقة تشهدها المنطقة. وزير الدفاع التركي، يشار غولر، أعلن مؤخراً أن أنقرة لا تخطط للانسحاب من سوريا في المستقبل القريب، مؤكّداً أن هذا الوجود مرتبط بتحقيق شروط صارمة تتعلق بالأمن والاستقرار. فهل نحن أمام مرحلة جديدة من النفوذ التركي طويل الأمد في سوريا؟
لا انسحاب في الأفق
أكد غولر، أن أنقرة لا تنوي سحب قواتها من سوريا في الوقت الراهن. في تصريح حاسم، أوضح أن إعادة النظر في هذا الوجود العسكري لن تكون ممكنة إلا بعد تحقيق السلام الكامل، والقضاء على التهديدات الإرهابية، وتأمين الحدود، وعودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم.
هذا التصريح يعكس تمسك تركيا بدورها العسكري والسياسي داخل سوريا، مع تأكيد غولر على أن بلاده لا تتصرف كقوة احتلال، بل كطرف يسعى إلى الاستقرار الإقليمي.
شراكة أمنية مع الجيش السوري
كما كشف الوزير التركي أن بلاده تقدّم تدريبات ومشورة دفاعية للجيش السوري الجديد، في خطوة تعكس تغيراً واضحاً في علاقة أنقرة بالسلطة الجديدة في دمشق. ووفقاً لمصادر أمنية تركية، فإن الجيش التركي يساعد في تأسيس مؤسسات عسكرية وأمنية سورية، ويخطط لإنشاء قواعد جوية وبرية وبحرية على الأراضي السورية لمحاربة تنظيم “الدولة”.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يشير إلى نية تركيا في ترسيخ وجود عسكري منظم ودائم، يتجاوز العمليات الحدودية إلى شراكة استراتيجية داخل الأراضي السورية.
محادثات فنية مع إسرائيل
في السياق ذاته، أشار غولر إلى اجتماعات فنية تجري بين تركيا وإسرائيل بهدف “تجنب التصادم” العسكري بين الطرفين في سوريا ، مشدداً على أن هذه المحادثات ليست تطبيعاً للعلاقات، بل محاولة لإنشاء آلية تواصل أمني تمنع الاشتباكات أو التصعيد غير المقصود.
هذه الديناميكية تعكس تعقيدات المشهد السوري، حيث تتواجد قوى إقليمية ودولية عديدة، ولكل منها مصالح متشابكة، مما يدفع تركيا لبناء قنوات تنسيق حتى مع خصومها التقليديين (إن كانت إسرائيل خصمها) .
قواعد تركية داخل سوريا
بحسب تقارير إعلامية، فقد ناقش الرئيس السوري ،أحمد الشرع، مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته إلى أنقرة، تفاصيل اتفاقية دفاع مشترك تشمل السماح لتركيا بإنشاء قواعد جوية جديدة، واستخدام المجال الجوي السوري لأغراض عسكرية، وتدريب القوات السورية الجديدة.
هذه الاتفاقية، إن تم تنفيذها بالكامل، ستمنح أنقرة صلاحيات استراتيجية واسعة داخل سوريا، وتؤسس لتحالف أمني جديد في المنطقة، مع إمكانية تغيير التوازنات العسكرية والسياسية بشكل كبير.
ما وراء البقاء التركي
تؤكد تصريحات غولر أن بقاء القوات التركية في سوريا ليس مؤقتاً، بل جزء من رؤية استراتيجية شاملة تتعلق بأمن تركيا القومي من جهة، وبناء نفوذ إقليمي طويل الأمد من جهة أخرى.
في المقابل، تثير هذه السياسات تساؤلات كثيرة داخل وخارج سوريا، حول حدود السيادة السورية، وطبيعة العلاقة المستقبلية بين دمشق وأنقرة، وهل سينجح الطرفان في تحويل هذا التعاون إلى تحالف فعلي أم مجرد ترتيبات مؤقتة؟
الجواب على هذه الأسئلة سيظهر في الأشهر المقبلة، مع تطور المحادثات الثنائية، وتبلور ملامح المرحلة الانتقالية في سوريا.
في ضوء التطورات الأخيرة، يبدو أن تركيا لا تكتفي بدور المراقب أو الداعم، بل تمضي نحو شراكة أمنية فعلية مع الإدارة السورية الجديدة. وبينما يراها البعض خطوة نحو استقرار المنطقة، يراها آخرون تعميقاً للنفوذ الإقليمي. في الحالتين، المؤكد أن المشهد السوري يدخل فصلاً جديداً من التحالفات المعقدة والمصالح المتشابكة.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




