نبض خاصهيدلاينز

التحركات الدولية تتواصل لتفكيك ترسانة الأسلحة الكيميائية في سوريا

خاص – نبض الشام

رغم مرور أكثر من عقد من العمل على تفكيك ترسانة الأسلحة الكيميائية في سوريا ، لا تزال هذه القضية محور اهتمام عالمي، نظراً لتعقيداتها السياسية، وأبعادها الأمنية والإنسانية.

وفي بداية العام الحالي، وإثر سقوط نظام بشار الأسد ،شهد ملف سوريا الكيماوي تحركات مهمة تمثلت في خطوات جديدة في البحث عن مواقع غير معلن عنها، وسط استمرار الشكوك والتحديات الميدانية.

وفي السنوات الأولى من الحرب الأهلية، كانت قد أعلنت حكومة بشار الأسد عن 27 موقعاً لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي أرسلت مفتشين لزيارتها وإغلاقها، لكن الأسد استمر في استخدامها حتى عام 2018 على الأقل، إذ أظهرت الأبحاث أن حكومته استمرت في استيراد المواد الكيميائية الأولية الأساسية، وفق “نيويورك تايمز”.

وفي السياق، كشفت منظمة “حظر الأسلحة الكيميائية”، عن وجود أكثر من 100 موقع يُشتبه في ارتباطها ببرنامج الأسلحة الكيميائية السوري، جرى تحديدها بعد انهيار حكم بشار الأسد، في أول تقييم رسمي من نوعه منذ سقوط النظام في ديسمبر 2024.

وأكدت المنظمة أن هذه المواقع تتجاوز بكثير ما اعترف به النظام السابق، إذ يُعتقد أنها تضم منشآت بحثية وتصنيعية ومخازن مواد كيميائية، جرى استخدامها سابقاً في هجمات بالأسلحة الكيميائية، من بينها غاز السارين وغاز الكلور، والتي استُهدفت بها مناطق مدنية ومعارضة خلال سنوات الحرب الطويلة.

ومن المرجح أن تكون بعض المواقع مخفية في كهوف أو أماكن أخرى يصعب العثور عليها باستخدام صور الأقمار الاصطناعية، وفقاً لباحثين وموظفين سابقين في المنظمة وخبراء آخرين، وهذا يزيد من احتمالية عدم تأمين بعض الأسلحة.

دمشق تفتح منشآت كيميائية سرية للمرة الأولى منذ الإطاحة بالأسد

وفي خطوة غير مسبوقة منذ أكثر من عقد، فتحت السلطات السورية الجديدة أبواب مواقع إنتاج وتخزين أسلحة كيميائية لمفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، كانت تعود لفترة حكم بشار الأسد.

إذ تعهد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بتدمير جميع الأسلحة الكيميائية المتبقية في البلاد، خلال اجتماع المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي.

وأكد الشيباني أن الحكومة السورية الجديدة ملتزمة بإزالة إرث النظام السابق، والتعاون مع المجتمع الدولي لضمان عدم استخدام هذه الأسلحة مجددا.

وقال الشيباني ،في أول ظهور رسمي لمسؤول سوري أمام المجلس التنفيذي للمنظمة منذ الإطاحة بالرئيس بشار الأسد في ديسمبر 2024 إن “برنامج الأسلحة الكيميائية الذي تم تطويره في عهد الأسد ليس برنامجنا، لكن التزامنا اليوم هو تفكيكه بالكامل ووضع حد لهذا الإرث المؤلم”، مضيفاً أن سوريا ستحتاج إلى دعم دولي لضمان التنفيذ الفعّال لهذه العملية، داعيا منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى تقديم المساعدة الفنية واللوجستية المطلوبة.

ونقلت وكالة “رويترز” عن مصادر دبلوماسية وأممية مطلعة أن فريقًا من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية زار سوريا بين 12 و21 آذار الجاري، في مهمة تهدف إلى التحضير لتحديد وتدمير ما تبقى من ترسانة الأسد الكيميائية المحظورة. وزار الفريق خمسة مواقع، بعضها لم يسبق الإفصاح عنه للمنظمة، وبعضها الآخر تعرض للنهب أو القصف.

وأكدت المصادر أن الفريق حصل على وثائق ومعلومات مفصلة تتعلق ببرنامج الأسلحة الكيميائية الذي كانت تديره حكومة الأسد، إلى جانب الوصول الكامل إلى المواقع والأفراد المعنيين، في ما وصفته المنظمة بأنه “دعم وتعاون كامل من السلطات السورية المؤقتة وبشكل فوري”.
ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها تنفيذ فعلي لأحد الشروط الأميركية التي طُرحت مؤخرًا على دمشق كجزء من خارطة طريق نحو تخفيف جزئي للعقوبات الدولية، كما أفادت “رويترز” الأسبوع الماضي. وقد شملت تلك المطالب الأميركية تدمير ما تبقى من ترسانة الأسلحة الكيميائية، ومنع وجود مقاتلين أجانب في مواقع الحكم العليا، والتعاون في قضايا مكافحة الإرهاب.

شكوك دولية بشأن مصداقية التصريحات السابقة

ورغم نفي النظام السابق وروسيا المتكرر لاستخدام هذه الأسلحة، انضمت سوريا إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عام 2013 بموجب اتفاق أميركي روسي عقب هجوم كيماوي مدمر في الغوطة الشرقية. وأعلنت المنظمة حينها عن تدمير نحو 1300 طن متري من المواد الكيميائية ومكوناتها.

إلا أن مفتشي المنظمة شككوا لسنوات بوجود مخزونات غير معلنة، وطالبوا بزيارة أكثر من 100 موقع يُشتبه في استخدامها لإنتاج أو تخزين هذه الأسلحة في عهد الأسد، وذكرت الوكالة أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تستعد حاليًا لفتح مكتب ميداني دائم في سوريا، رغم تصاعد التوترات الأمنية في الفترة الأخيرة، وذلك ضمن جهود تعزيز الرقابة والتحقق.

التحديات الأمنية والإنسانية

رغم التقدّم النسبي في جهود تفكيك ترسانة الأسلحة الكيميائية في سوريا، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن تحديات لا تزال تعرقل الوصول إلى حل نهائي لهذا الملف الحساس. ويبرز في مقدّمة هذه التحديات البُعد الأمني والإنساني، اللذان يشكّلان عاملين حاسمين في مستقبل العملية برمّتها.

فأحد أبرز المخاوف التي تقلق المجتمع الدولي هو احتمال وصول هذه المواد إلى أيدي جماعات إرهابية. في ظل بيئة أمنية هشّة، وانتشار جماعات مسلّحة في عدد من المناطق الخارجة عن السيطرة، يصبح تأمين المواقع والمخزونات مسألة بالغة التعقيد والخطورة.
وأشار تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” إلى أن هذه المواقع ما تزال حتى اليوم غامضة وغير مؤمنة بشكل كاف، خاصة بعد فقدان النظام السابق السيطرة عليها عقب الإطاحة به. وتشكل بقايا هذه الأسلحة تحدياً أمنياً وإنسانياً كبيراً للحكومة السورية الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وسط تزايد القلق الدولي من وقوعها في أيدي جماعات متطرفة أو استخدامها في مناطق مأهولة بالسكان.

ويحذر خبراء في الأمن الدولي من أن أي تسريب – ولو محدود – لمواد سامة أو مكونات كيميائية يُمكن أن يؤدي إلى كوارث إنسانية وأمنية قد تمتد آثارها خارج الحدود السورية.

ومن الجانب الإنساني، لا تزال معاناة ضحايا الهجمات الكيميائية مستمرة، رغم مرور سنوات على بعض تلك الهجمات الموثقة دوليًا.
فعدد كبير من الناجين يعانون من أعراض صحية مزمنة تتراوح بين أمراض تنفسية، واضطرابات عصبية، وحروق كيميائية دائمة، دون حصولهم على دعم طبي كافٍ أو اعتراف قانوني بحقوقهم.

إضافة إلى ذلك، يشعر الضحايا وأسرهم أن العدالة ما زالت بعيدة المنال، في ظل غياب آليات قضائية فعّالة لمحاسبة المسؤولين عن استخدام هذه الأسلحة، سواء في الداخل أو على الساحة الدولية.
ورغم الجهود التي تبذلها بعض المنظمات الحقوقية والمحاكم الدولية، إلا أن العدالة الانتقالية في سوريا ما زالت مؤجلة، ويتطلّب تحقيقها إرادة سياسية واضحة، وآليات تضمن إنصاف الضحايا ومحاسبة الجناة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى