أخبــاربلاد المهجرنبض الساعة

فرنسا على صفيح ساخن.. الغلاء يشعل معركة الرئاسة

لم تعد احتجاجات غلاء المعيشة في فرنسا مجرد تحرك اجتماعي للمطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية، بل تحولت إلى مواجهة سياسية وأمنية مفتوحة، تتداخل فيها مطالب الشارع مع حسابات الحكومة واليمين واليسار، قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية.

وبدأت التحركات بمشاركة طلاب المدارس والجامعات والمزارعين والمتقاعدين وأنصار حركة «السترات الصفراء»، احتجاجاً على ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات العامة وضعف الإنفاق على القطاعات الأساسية، لكنها سرعان ما اتخذت منحى أكثر توتراً مع اندلاع الحرائق وأعمال النهب والاشتباكات، لتتراجع المطالب الاجتماعية إلى خلفية المشهد، ويتصدر الصراع السياسي والأمني واجهته.

وانطلقت موجة الاحتجاجات الحالية في أيلول من مدارس تقع في الضواحي الشمالية الفقيرة لباريس، اعتراضاً على نقص المدرسين وتردي المنشآت التعليمية، قبل أن تتسع رقعتها لتشمل قضايا غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود وتراجع جودة الخدمات العامة.

وشملت مطالب النقابات زيادة الأجور والمعاشات، وخفض الأسعار، وحماية الخدمات العامة، فيما أعادت عودة أنصار «السترات الصفراء» إلى الشوارع مشاهد الاحتجاجات التي شهدتها البلاد عام 2018.

وكان من المقرر تنظيم أكثر من 600 تحرك في مختلف أنحاء فرنسا، وسط تنامي القلق الشعبي من الأوضاع الاقتصادية، إذ أظهر استطلاع شمل ألفي شخص أن 45% من الفرنسيين يشعرون بالقلق إزاء غلاء المعيشة والتضخم.

وقدّر وزير الداخلية لوران نونيز عدد المشاركين في احتجاجات السبت بنحو 550 ألف شخص، فيما تحدثت النقابات عن أعداد تقترب من 800 ألف، في تعبئة تجاوزت حجم العديد من تحركات «السترات الصفراء» السابقة، وإن بقيت دون مستوى الاحتجاجات التي رافقت إصلاح نظام التقاعد عام 2023.

لكن المسيرات شهدت تحولاً سريعاً مع تصاعد أعمال العنف. ففي باريس، بدأت المسيرة الرئيسية بهدوء، قبل أن تتحرك مجموعات مقنّعة أضرمت النار في حواجز وسيارات، وهاجمت متاجر ومصارف، وحاولت اقتحام متاجر كبرى.

وامتدت الاضطرابات إلى مدن فرنسية أخرى، حيث أُحرق مبنى البلدية في ليموج، واستُهدف مبنى بلدية مرسيليا، فيما طالت النيران مكتب السياحة في ليون، بالتزامن مع تسجيل أعمال تخريب ونهب في ليل ورين ونانت وغرونوبل وأفينيون وعدد من المدن الأخرى.

وأعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو توقيف 1200 شخص وإصابة 150 من أفراد الشرطة والدرك، في وقت واجهت فيه قوات الأمن مجموعات صغيرة سريعة الحركة، نفذت هجمات متزامنة وانتقلت بين الأحياء، ما زاد من صعوبة احتواء الاضطرابات.

في المقابل، أثار أداء الشرطة جدلاً متزايداً، بعدما تحدثت وسائل إعلام فرنسية عن فتح تحقيقات في عشرات الادعاءات المتعلقة باستخدام العنف من جانب أفراد الأمن، إضافة إلى إصابة مراهق بجروح خطيرة إثر انفجار قنبلة صوتية.

وعكس المشهد انقساماً بين متظاهرين ركزوا على مطالب التعليم والخدمات والقدرة الشرائية، ومجموعات تورطت في أعمال التخريب والنهب، ما دفع بعض المشاركين إلى التعبير عن خشيتهم من أن تطغى الفوضى على أهداف الاحتجاجات.

ونُقل عن طلاب مشاركين تأكيدهم رغبتهم في إحداث تغيير بعد شعورهم بأن الأوضاع لا تشهد تحسناً، فيما رأى متظاهرون آخرون أن أعمال الشغب أضرت بقضيتهم، وحولت تحركاً اجتماعياً إلى أزمة أمنية.

صراع سياسي يتصاعد قبل الانتخابات
لم تقتصر تداعيات الاحتجاجات على المواجهة في الشوارع، بل امتدت إلى الساحة السياسية، حيث اتخذ لوكورنو موقفاً تصعيدياً تجاه اليسار، متهماً ما وصفه بـ«اليسار المتطرف»، ولا سيما حزب «فرنسا الأبية»، بتأجيج العنف.

واعتبر رئيس الوزراء أن استهداف قصر الإليزيه ومقر الحكومة والجمعية الوطنية يكشف عن محاولة لتوظيف الاضطرابات سياسياً، داعياً الفرنسيين إلى تحديد موقفهم بين مؤسسات الجمهورية وقوات الأمن من جهة، والمجموعات المتورطة في التخريب من جهة أخرى.

كما أعلن عزمه الدفع بمشروع قانون يحمل اسم «المخربون يدفعون» أمام مجلس الشيوخ، في خطوة تعكس توجه الحكومة إلى تشديد التعامل مع المسؤولين عن أعمال العنف والتخريب.

وتركزت انتقادات لوكورنو على جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية» والمرشح المحتمل للرئاسة، الذي شارك في إحدى المسيرات واتهم الشرطة بالاستفزاز وتهيئة الظروف للفوضى، مع إدانته في الوقت نفسه أعمال النهب والتخريب.
ورد رئيس الوزراء بأن تحميل الشرطة مسؤولية العنف يقلب الأدوار، معتبراً أن انتقاد قوات الأمن من دون إدانة واضحة للمجموعات التي تهاجم المؤسسات وتنهب المتاجر يمنح تلك المجموعات غطاءً سياسياً.

وفي السياق نفسه، دعا عمدة باريس الاشتراكي إيمانويل غريغوار إلى عدم التساهل مع أعمال السرقة، فيما طالب مسؤولون في باريس ومرسيليا وليون الحكومة بتوضيح أسباب تدهور الوضع الأمني في مدنهم.

في المقابل، وجد حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف في مشاهد العنف فرصة لتعزيز صورته بوصفه قوة سياسية قادرة على فرض النظام، مستفيداً من المخاوف الشعبية بشأن الأمن والاستقرار.

ووصف رئيس الحزب جوردان بارديلا الأحداث بأنها يوم «فرنسا الفوضى»، فيما اعتبرت مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف والمرشحة للرئاسة، أن المطالب الاجتماعية المشروعة جرى الاستيلاء عليها من جانب اليسار المتطرف، متهمة ميلونشون بتبرير العنف.
وسارع الحزب إلى نشر مقاطع مصورة للمواجهات، وربطها برسالة انتخابية تحمل الرئيس إيمانويل ماكرون مسؤولية الفوضى، وتحمّل اليسار جانباً من المسؤولية عن تصاعد الاضطرابات، في مسعى للاستفادة من الأزمة في تعزيز موقعه السياسي.

الهجرة تدخل على خط الأزمة
وامتدت تداعيات الأحداث إلى خارج فرنسا، مع دخول نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس على خط الجدل، إذ حمّل الهجرة مسؤولية أعمال العنف، ما نقل النقاش من القضايا الاقتصادية والاجتماعية إلى ملف الهوية والهجرة.

ويعكس هذا التحول اتساع نطاق المواجهة السياسية حول الاحتجاجات، بعدما أصبحت أحداث الشغب مادة للتنافس بين القوى الساعية إلى استقطاب الناخبين، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن القدرة الشرائية ومستوى الخدمات العامة والاستقرار الأمني.

وبذلك، تجاوزت احتجاجات الغلاء في فرنسا حدود المطالبة بزيادة الأجور وخفض الأسعار، لتتحول إلى ساحة صراع تتنافس فيها الحكومة واليمين واليسار على تحديد المسؤولية عن الأزمة وتوجيه تداعياتها سياسياً، بينما لا تزال المطالب الاجتماعية التي أطلقت التحركات تواجه خطر التراجع أمام تصاعد العنف وحسابات الانتخابات الرئاسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى