حرب التجسس تتصاعد.. اختراقات صينية تستهدف واشنطن

تتصاعد المخاوف داخل أجهزة مكافحة التجسس الأمريكية من محاولات تجنيد أفراد وتسريب معلومات حساسة، إلى جانب هجمات سيبرانية تنسبها واشنطن إلى جهات صينية، في وقت تتسع فيه مجالات الاستهداف لتشمل قطاعات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية.
وخلف الاتصالات الدبلوماسية بين واشنطن وبكين، تتواصل مواجهة استخباراتية تتخذ أشكالاً متعددة، من استدراج أفراد عبر الإنترنت والحصول على معلومات حساسة، إلى التجسس الاقتصادي وسرقة الأسرار التجارية والهجمات الإلكترونية.
ومن أبرز القضايا التي كشفت طبيعة هذه العمليات قضية جينتشاو وي، وهو عسكري سابق في البحرية الأمريكية كان يعمل على متن السفينة البرمائية «يو إس إس إسيكس» في قاعدة سان دييغو البحرية.
وبحسب وزارة العدل الأمريكية، تواصل وي مع ضابط استخبارات صيني وقدم له معلومات تتعلق بالسفينة وأنظمة دفاعية وبيانات فنية، مقابل 12 ألف دولار. وأدين في أغسطس الماضي بتهم تتعلق بالتجسس وانتهاك قوانين تصدير المعلومات الدفاعية، قبل أن يصدر بحقه في يناير حكم بالسجن لمدة 200 شهر، أي أكثر من 16 عاماً.
ولا تبدو هذه القضية معزولة، ففي مايو الماضي كُشفت محاولة لاستهداف موظف يعمل لدى لجنة في مجلس النواب الأمريكي معنية بالصين. وتلقى الموظف عرضاً للحصول على آلاف الدولارات مقابل تقديم معلومات عن عمل اللجنة والسياسة الأمريكية تجاه بكين، لكنه أبلغ رؤساءه بالأمر، الذين تابعوا التواصل مع الجهة التي قدمت العرض بهدف فهم أسلوب عملها.
التجنيد عبر الإنترنت
تحذر السلطات الأمريكية من استخدام هويات مزيفة على الإنترنت لاستقطاب أشخاص يمكنهم الوصول إلى معلومات حساسة، عبر انتحال صفة مسؤولي توظيف أو ممثلي شركات استشارية أو باحثين.
وتتيح هذه الأساليب بناء علاقات مهنية عن بُعد، من دون الحاجة إلى لقاء مباشر مع الشخص المستهدف، ما يصعّب اكتشاف محاولات التجنيد في مراحلها الأولى.
وتشمل مجالات الاهتمام الأمريكي بالأنشطة الاستخباراتية الصينية قطاعات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطيران والفضاء والتقنيات المتقدمة.
كما ناقشت لجنة مجلس النواب المعنية بالحزب الشيوعي الصيني خلال العام الحالي ملفات التجسس الاقتصادي والتأثير داخل الولايات المتحدة، إلى جانب حماية الابتكار الأمريكي ومحاولات الحصول على التقنيات المتقدمة.
وفي إحدى القضايا الحديثة، أدين مهندس سابق في شركة «غوغل» بتهم تتعلق بالتجسس الاقتصادي وسرقة أسرار تجارية مرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، في قضية سلطت الضوء على المخاطر التي تواجهها شركات التكنولوجيا ومراكز الأبحاث.
الشركات الخاصة في قلب المواجهة
إلى جانب الأساليب الاستخباراتية التقليدية، تتركز المخاوف الأمريكية على استخدام قنوات تجارية وأكاديمية للحصول على معلومات متقدمة في مجالات علمية وتكنولوجية.
وأثارت أيضاً عمليات شراء كيانات صينية لأراضٍ تقع بالقرب من منشآت عسكرية أمريكية حساسة نقاشاً داخل واشنطن حول المخاطر المحتملة المرتبطة بالاستثمارات الأجنبية.
وفي 2024، منعت الإدارة الأمريكية شركة «ماين وان» الصينية من شراء أرض بالقرب من قاعدة فرانسيس وارن الجوية، التي تضم منشآت مرتبطة بالصواريخ الباليستية العابرة للقارات.
كما تخضع حالات أخرى للتحقيق في الكونغرس، بينها اختفاء شحنة من قطع غيار لطائرات «إف-35» كان يفترض نقلها من أستراليا إلى مركز صيانة في الولايات المتحدة، قبل أن تظهر في هونغ كونغ.
وفي تقييم التهديدات السنوي لعام 2026، صنفت أجهزة الاستخبارات الأمريكية الصين وروسيا ضمن أكثر التهديدات نشاطاً واستمراراً، مع استمرار المخاوف من العمليات السيبرانية الصينية التي تستهدف شبكات ومعلومات حساسة.
الهجمات السيبرانية
وتبرز مجموعات إلكترونية نسبت إليها واشنطن عمليات اختراق واسعة، بينها «فولت تايفون» و«سولت تايفون»، اللتان ارتبط اسمهما باستهداف شبكات الاتصالات والبنية التحتية الرقمية.
وكان تقييم الاستخبارات الأمريكية قد أشار إلى أن بكين تطور قدراتها السيبرانية لتنفيذ عمليات تستهدف معلومات حساسة لدى الحكومة والقطاع الخاص، إلى جانب تعزيز خياراتها في مجال الحرب السيبرانية.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تعزز فيه المؤسسات الأمريكية إجراءات حماية الأبحاث والتقنيات المتقدمة، وسط تركيز متزايد على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات وسلاسل الإمداد والقطاعات المرتبطة بالأمن القومي.
وبذلك باتت المواجهة بين واشنطن وبكين تمتد إلى ما هو أبعد من الملفات التجارية والعسكرية التقليدية، لتشمل سباقاً على المعلومات والتكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية، في ظل استمرار الاتهامات الأمريكية لبكين بالوقوف وراء أنشطة تجسس واختراق، وهي اتهامات ترفضها الصين.




