نبضات وآراءنبضاتهم

سوريا الجديدة ورقة في يد خصوم الأتراك

بقلم: سمير الأيوبي، أستاذ وخبير في الشؤون السورية والتركية

بعد قرابة 14 عاماً من دعم المعارضة واستضافة ملايين اللاجئين، بدا المشهد في نهاية عام 2024 كأنه يحقق حلم تركيا الاستراتيجي في سوريا، مع سقوط نظام بشار الأسد واستلام هيئة تحرير الشام السلطة في 24 ديسمبر/كانون الأول.
كما أن النجاح في دفع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نحو طاولة المفاوضات والموافقة على الاندماج في هيكل عسكري موحد فتح الباب أمام رؤية أنقرة لسوريا جديدة تحت نفوذها بالكامل. لكن، وما إن مرت أشهر قليلة، حتى تبددت الآمال، ودخلت تركيا في مواجهة معقدة مع إسرائيل وأمريكا، وسط سير النظام الجديد في دمشق في اتجاه مُبتعد عن المسار التركي.

من شريك استراتيجي إلى ورقة سياسية
في مطلع العام الجاري وفي غضون 24 ساعة فقط، تمكنت قوات هيئة تحرير الشام، بدعم تركي غير مسبوق، من تحقيق إنجاز عسكري كان حلماً لأنقرة لعقود ألا وهو القضاء على الوجود الكردي العسكري شمال شرق سوريا. حيث قدمت تركيا لدمشق آلاف العربات المدرعة والذخائر، وشاركت بشكل مباشر في الهجوم عبر طائراتها المسيرة من طراز “بيرقدار” و”أكينجي” التي سيطرت على سماء الشمال السوري.

تحت هذا الغطاء الناري، اجتاحت قوات هيئة تحرير الشام مدن الرقة ودير الزور والحسكة، واستولت على حقول النفط والغاز، وفرضت على قوات سوريا الديمقراطية اتفاقاً قضى بحل نفسها واندماج أعضائها بشكل فردي في الجيش السوري. وبدا أن تركيا، دون أن تطلق رصاصة واحدة، حققت كل أهدافها الأمنية على حدودها.

وبينما كانت تركيا تحتفل بنجاحها في سوريا، كانت واشنطن تعيد ترتيب أوراقها بصمت. فسرعان ما ظهر أن الإدارة الأمريكية، عوضاً عن معارضة سيطرة هيئة تحرير الشام، بدأت تسعى لجعلها أداة جديدة في المنطقة.

فمنذ يومها الأول في العاصمة دمشق فتحت هيئة تحرير الشام، قنوات اتصال مع الولايات المتحدة. وعلى مر الأيام وافقت دمشق – تحت ضغوط من واشنطن – على شروط إسرائيلية صارمة، كان أبرزها عدم السماح بنشر قوات تركية في الأراضي السورية. هذا التطور شكل صفعة لأنقرة التي كانت تطمح لتثبيت وجود عسكري لها في الشمال السوري لضمان أمن حدودها ومنع أي تهديد كردي جديد.

كما أنه وبحلول مارس 2026، كُشف أن الولايات المتحدة كانت تضغط على دمشق الجديدة لإرسال قواتها إلى شرق لبنان للمشاركة في نزع سلاح حزب الله خلافاً لما تريده تركيا بعدم التدخل في الشؤون اللبنانية من قبل السوريين. وفي يونيو، رفض الرئيس السوري أحمد الشرع (المعروف سابقاً بأبو محمد الجولاني) علناً مقترحاً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل عسكرياً في لبنان.

لكن الخيبة الأكبر جاءت على الصعيد الميداني، حيث شاركت وحدات من الجيش السوري الجديد، وفق تقارير استخباراتية، في عمليات عسكرية ضد حزب الله في لبنان. هذا التحرك يؤكد أن دمشق الجديدة باتت جزءاً من شبكة مصالح أمريكية إقليمية، مما يقلص هامش المناورة التركي ويدفع سوريا إلى تبني سياسات لا تخدم بالضرورة المصالح التركية.

مواجهة مع إسرائيل
على خط آخر، كانت العلاقة بين تركيا وإسرائيل تشهد تصعيداً غير مسبوق. حيث أن الغارات الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية في إدلب بتاريخ 18 أغسطس/آب كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. فقد بررت إسرائيل هجومها بأن سوريا كانت على وشك السماح لتركيا بنشر قوات في القاعدة، وهو ما نفته أنقرة ودمشق بشدة، مؤكدة أن أعمال التأهيل كانت لصالح القوات الجوية السورية فقط .

هذا الهجوم، الذي وصفته واشنطن بأنه “تصعيد غير ضروري”، دفع تركيا إلى اتخاذ خطوة غير مسبوقة بطلب إصدار “نشرة حمراء” من الانتربول بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومسؤولين آخرين، بتهمة ارتكاب “إبادة جماعية”. ورغم استبعاد الخبراء إمكانية نشوب مواجهة عسكرية بين تركيا وإسرائيل إلا أن الأحداث العالمية تدل على أن كل شيء يسير نحو التصعيد والمواجهة، خصوصاً في ظل الغطرسة الإسرائيلية المستمرة.

وهنا يبرز السؤال: من سيقف إلى جانب أنقرة في أي مواجهة محتملة؟
الإجابة تبدو معقدة، فالولايات المتحدة، المنشغلة بتداعيات حربها المفتوحة مع إيران، لا يمكن الاعتماد عليها. والتوتر الحالي هو نتيجة مباشرة للغطاء الأمريكي الذي تحظى به إسرائيل، والدور الأمريكي كان ولا يزال محاولة “خلق آلية لمنع الاحتكاك” بدلاً من الوقوف إلى جانب تركيا.

في حين يبقى موقف حلفاء تركيا في الناتو غامضاً. حيث كشفت الأزمة مع إيران التناقضات الداخلية في الحلف، ومن شبه المؤكد أن دولاً مثل فرنسا وألمانيا لن تقف ضد إسرائيل. في حين عبّرت مصادر دبلوماسية غربية عن قلقها من تعقيد المشهد. أما روسيا، فقد تبدو كخيار وحيد، وهي لاعب أساسي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية تخص سوريا والمنطقة.

ولذلك، في حال نشوب صراع تركي-إسرائيلي، قد تجد أنقرة في موسكو وسيطاً قوياً محتملاً، خاصة وأن الطرفين يحافظان على قنوات اتصال مفتوحة، كما تتجلى في المحادثات الهاتفية المتكررة بين الرئيسين أردوغان وبوتين حول تطورات المنطقة. وقد أكدت روسيا مراراً دعمها للجهود الدبلوماسية، وهو ما يتماشى مع الدور التركي.

إلا أن واشنطن تبذل جهوداً مضنية لإخراج موسكو من قواعدها في سوريا، وتواصل الضغط على تركيا للتخلي عن منظوماتها الدفاعية الروسية المتطورة “إس-400″، وإعادتها إلى روسيا أو نقلها إلى دولة ثالثة، بهدف زعزعة العلاقة بين أنقرة وموسكو.

الإسرائيلي يكسب والأمريكي يراقب
في هذه اللعبة المعقدة، يبدو أن تركيا دفعت ثمناً باهظاً لاستراتيجية كانت تراهن على أن تكون الشريك الأوحد لسوريا الجديدة. لكن في الواقع، أثبتت الأيام أن دمشق لم تعد مجرد ساحة نفوذ لتركيا، بل باتت ملعباً للقوى الكبرى. وموافقتها على المطالب الإسرائيلية والأمريكية، وإبعادها للعنصر التركي عن قواعدها الجوية، تؤكد أنها اختارت العودة إلى الحظيرة الأمريكية. بينما تجد تركيا نفسها في مواجهة مع إسرائيل، معزولة، وتحاول التمسك بآخر أوراقها في موسكو، والتي تسعى أمريكا لإسقاطها أيضاً.

يبدو أن سوريا الجديدة قد حولت العلاقة من شراكة تعاون إلى ورقة ضغط في يد خصوم أنقرة، مما يضع تركيا أمام تحدٍ وجودي في سياستها الخارجية. كما يمكن القول أن الإدارة الأمريكية نجحت في تفكيك النفوذ التركي في سوريا، وجعلت سوريا الجديدة أداة في مواجهة إيران وحزب الله، بينما تظل إسرائيل الطرف الأكثر ربحاً في هذه المعادلة، إذ تمكنت من فرض شروطها الأمنية دون أي ردع، والضغط على تركيا لإبعادها عن حدودها.

تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى