آلاف المحتجزين في مهبّ الجمود.. ماذا يحدث في سجون الحوثيين؟

في وقت لا تزال فيه صفقة تبادل الأسرى والمختطفين بين الحكومة اليمنية والحوثيين متعثرة، تتواصل حملات الاعتقال في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين شمالي اليمن، وسط تحذيرات من تدهور أوضاع المحتجزين واستمرار الانتهاكات داخل السجون.
ومطلع الأسبوع الجاري، اعتقل الحوثيون المحامي عبدالكريم الجرور، مسؤول الإعلام والثقافة في نقابة المحامين اليمنيين بمحافظة ذمار، على خلفية نشاطه الحقوقي ومتابعته لأوضاع السجناء ورصده لما وصفته مصادر حقوقية بتجاوزات داخل إصلاحية المحافظة.
وبحسب المصادر، كان الجرور قد طالب بفتح تحقيقات عاجلة في حالات تجاوز وإهمال صحي، بينها واقعة كادت تؤدي إلى وفاة أحد السجناء.
وفي واقعة أخرى، قالت زوجة الطبيب علي المضواحي، المحتجز لدى الحوثيين منذ أكثر من عامين، إنه تعرض للتعذيب والحبس الانفرادي والضغط النفسي، وأُجبر على الإدلاء باعترافات تحت الإكراه داخل سجون جهاز الأمن والمخابرات، قبل إحالته مؤخراً إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في صنعاء، على خلفية تمسكه ببرامج تحصين الأطفال واللقاحات.
وتعيد هذه الوقائع ملف آلاف الأسرى والمختطفين إلى واجهة الاهتمام، في ظل تعثر عملية التبادل المتفق عليها برعاية أممية لأكثر من شهر ونصف الشهر، من دون مؤشرات واضحة على قرب تجاوز الخلافات.
وكانت الحكومة اليمنية قد حمّلت الحوثيين مسؤولية تعطيل المرحلة الأولى من عملية التبادل، قبل ساعات من موعد انطلاقها في 11 يوليو/تموز الماضي، بعدما أبلغوا الجهات الأممية بعدم السماح لطائرات اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالهبوط في مطار صنعاء لنقل المحتجزين، بذريعة عدم استكمال الترتيبات الفنية.
تسييس وابتزاز
قال وكيل وزارة حقوق الإنسان اليمنية نبيل عبدالحفيظ إن استمرار الاعتقالات بالتزامن مع المفاوضات بشأن تبادل الأسرى والمختطفين يفرغ الجهود المبذولة من مضمونها الإنساني، ويضع مسار التفاوض أمام اختبار متكرر.
وأوضح أن الجولات التفاوضية بشأن الملف، منذ مشاورات جنيف عام 2015 وصولاً إلى اتفاق ستوكهولم عام 2018، تضمنت مبدأ الإفراج الشامل وفق صيغة «الكل مقابل الكل»، إلا أن التنفيذ تعثر نتيجة خلافات ومراوغات متكررة.
وأشار إلى أن الضغوط الأممية دفعت الحكومة في مراحل مختلفة إلى قبول صفقات جزئية باعتبارها خطوات تمهّد لتبادل شامل، لكن هذه المقاربة لم تؤدِ إلى حل مستدام، ليعود الملف في كل مرة إلى نقطة البداية.
واعتبر أن تعثر الصفقة الأخيرة يعكس استمرار حالة الجمود، مشيراً إلى أن استخدام ملف المحتجزين كورقة ضغط ومساومة أدى إلى إطالة أمد الأزمة، بينما تواصل آلاف الأسر انتظار الإفراج عن ذويها.
ودعا المسؤول اليمني المجتمع الدولي، ولا سيما مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن، إلى ممارسة ضغوط أكثر فاعلية لتنفيذ الاتفاقات القائمة، والعمل على إنجاز عملية تبادل شاملة، بالتوازي مع وقف الاعتقالات الجديدة التي تقوض جهود تسوية الملف.
تحذيرات حقوقية
يتزامن الجمود التفاوضي مع تحذيرات من تدهور ظروف الاحتجاز، وسط إفادات عن التعذيب والحرمان من الرعاية الصحية، ما يزيد مخاوف الأسر على سلامة أقاربها مع استمرار احتجازهم.
وقالت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» في تقرير أصدرته خلال يونيو/حزيران الماضي إنها وثقت وفاة 394 مختطفاً جراء التعذيب في السجون الحوثية بين عام 2018 ومطلع 2026، من بين أكثر من 1893 حالة تعذيب قالت إنها سجلتها في 15 محافظة يمنية.
وتشير هذه المعطيات إلى أن أزمة المحتجزين لا تقتصر على تعثر عمليات الإفراج والتبادل، بل تمتد إلى ظروف الاحتجاز ومخاطر تهدد سلامة المعتقلين وحياتهم.
مسار المساءلة
ويرى رئيس منظمة حقوقية يمنية أن التعامل القانوني مع الملف يتطلب التمييز بين المدنيين المعتقلين أو المختطفين والمقاتلين المحتجزين خلال العمليات العسكرية، موضحاً أن النزاع اليمني يصنف نزاعاً مسلحاً غير دولي.
وأشار إلى أن ذلك لا يعفي الجماعات المسلحة من الالتزامات المنصوص عليها في المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف وقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، ومنها حظر التعذيب والمعاملة المهينة، وتوفير الغذاء والدواء والرعاية الصحية، وضمان ظروف احتجاز إنسانية وحقوق المحاكمة العادلة.
وبحسبه، فإن التقارير المتعلقة بالسجون الحوثية تشير إلى نمط من الانتهاكات يشمل التعذيب والحرمان من الرعاية الطبية، ومنع الزيارات والتواصل مع الأسر، وانتزاع الاعترافات بالإكراه، إضافة إلى محاكمات تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة.
وأضاف أن مسار المساءلة يبدأ بالتوثيق المهني وجمع إفادات الضحايا والشهود والتقارير والسجلات الطبية، ثم إحالتها إلى الآليات الأممية المختصة، مع حفظ الأدلة بما يسمح باستخدامها أمام جهات قضائية أو لجان تحقيق مستقبلية.




