جرف الصخر .. اختبار صعب لنزع سلاح الفصائل في العراق

عادت منطقة جرف الصخر إلى واجهة المشهد العراقي مع تصاعد النقاش حول حصر السلاح بيد الدولة وإعادة مؤسسات الحكومة إلى المناطق التي ظلت لسنوات خارج نطاق الإدارة الأمنية والمدنية المعتادة.
ويأتي تحريك الملف في وقت تبحث فيه حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي خيارات لإعادة الانتشار في المنطقة، وسط مساعٍ لتجنب أي مواجهة مع الفصائل المسلحة الموجودة فيها، بالتوازي مع بحث ملف عودة السكان وفتح الطريق أمام المؤسسات الحكومية والخدمية.
خطة تدريجية
وقال مصدر أمني عراقي إن الحكومة تدرس خطة لإعادة الانتشار في جرف الصخر، تشمل عدة خيارات تبدأ بانتشار تدريجي للقوات الحكومية وعودة المؤسسات الرسمية، وصولاً إلى فرض السيطرة الحكومية في حال تعذر التوصل إلى تفاهمات مع الجهات المسلحة الموجودة في المنطقة.
وأضاف المصدر أن الخطة تتضمن بحث إخلاء بعض المقرات الموجودة في المنطقة قبل بدء انتشار القوات الحكومية، إلى جانب دراسة آليات عودة السكان وفتح المجال أمام المؤسسات الأمنية والخدمية للعمل مجدداً.
وأشار إلى أن الحكومة لا تريد اتخاذ خطوة قد تؤدي إلى مواجهة، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى إنهاء الوضع الاستثنائي الذي تعيشه المنطقة وإعادتها إلى نطاق الإدارة الحكومية.
ملف يتجاوز الأمن
ولا يرتبط ملف جرف الصخر بالجانب الأمني وحده، إذ تحولت المنطقة منذ المعارك ضد تنظيم داعش عام 2014 إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في العراق، خصوصاً مع استمرار الخلاف بشأن عودة السكان إلى منازلهم.
وتتهم قوى سياسية وجهات محلية فصائل مسلحة بعرقلة عودة الأهالي، في حين لم تقدم السلطات العراقية حتى الآن ترتيبات نهائية معلنة بشأن إعادة السكان أو طبيعة الانتشار الأمني المستقبلي في المنطقة.
وتصاعدت خلال السنوات الماضية تقارير عن وجود مواقع ومخازن تابعة لفصائل مسلحة في جرف الصخر، وربطت بعض التقارير هذه المواقع بشبكات دعم إقليمية، لكن هذه المعطيات لم تُعرض بصورة تفصيلية في بيانات حكومية رسمية.
تعهدات بإنهاء ملف النزوح
ويأتي تحريك الملف بالتزامن مع تعهدات حكومية بإيجاد حلول للمناطق التي لم يتمكن سكانها من العودة إليها بعد سنوات من النزوح.
وكان رئيس الوزراء علي الزيدي قد أعلن خلال لقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تموز الماضي وجود خطة لإعادة العراقيين إلى منازلهم المدمرة، في إطار معالجة ملف النزوح والمناطق التي لا تزال عودة سكانها متعثرة.
كما اتخذ الملف بعداً قانونياً، بعد إعلان شيخ عام عشيرة الجنابيين عدنان الجنابي إقامة دعوى ضد رئيس الوزراء، على خلفية عدم إعادة سكان جرف الصخر، متهماً جهات بعرقلة عودة الأهالي.
لماذا جرف الصخر؟
تقع جرف الصخر شمال غربي محافظة بابل، وتتمتع بموقع ذي أهمية أمنية بسبب قربها من بغداد وطرق تربط العاصمة بمحافظات الفرات الأوسط، إضافة إلى قربها من مناطق شهدت نشاطاً لتنظيم داعش قبل عام 2014.
وكانت المنطقة تضم قرى ومناطق زراعية مأهولة بالسكان، قبل أن تتحول بعد العمليات العسكرية ضد التنظيم إلى ملف معقد تتداخل فيه قضايا الأمن والنزوح والملكية وعودة مؤسسات الدولة.
ولهذا، فإن أي تغيير في وضع المنطقة لا يُنظر إليه باعتباره إجراءً أمنياً محلياً فقط، بل قد يحمل انعكاسات سياسية أوسع على علاقة الحكومة بالفصائل المسلحة وعلى قدرتها على فرض ترتيبات أمنية موحدة.
اختبار لمسار حصر السلاح
ويرى مراقبون أن أهمية جرف الصخر في المرحلة الحالية تكمن في ارتباطها بمسار أوسع يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة وإعادة تنظيم انتشار القوى المسلحة.
وقال المحلل السياسي عبدالله الركابي إن تحريك ملف جرف الصخر في هذا التوقيت يرتبط بالنقاش المتصاعد حول نفوذ الفصائل المسلحة، معتبراً أن إعادة مؤسسات الدولة إلى المنطقة ستعني عملياً إنهاء وضع استثنائي مستمر منذ سنوات.
وأضاف أن تحريك الملف لا يعني بالضرورة أن الحكومة تتجه إلى مواجهة عسكرية مع الفصائل، مشيراً إلى أن التوصل إلى تفاهم يضمن عودة المؤسسات والسكان سيكون أقل كلفة من خيار القوة.
سابقة محتملة
وتتجاوز أهمية أي اتفاق بشأن جرف الصخر حدود المنطقة نفسها، إذ يمكن أن تشكل طريقة معالجة الملف اختباراً لمدى قدرة الحكومة على إعادة مؤسساتها إلى مناطق شهدت خلال السنوات الماضية حضوراً أمنياً لفصائل مسلحة.
وفي حال نجحت بغداد في تحقيق ذلك عبر تفاهمات سياسية وأمنية، فقد تصبح التجربة نموذجاً للتعامل مع ملفات مشابهة في مناطق أخرى.
أما إذا تعثرت التفاهمات، فقد يتحول ملف جرف الصخر إلى اختبار أكثر تعقيداً لمسار حصر السلاح، خصوصاً في ظل حساسية العلاقة بين الحكومة والفصائل المسلحة وتداخل الملف الأمني مع قضايا النزوح وعودة السكان.
وبين خيار التفاهم وخيار فرض السيطرة، تبدو جرف الصخر أمام مرحلة جديدة قد تكشف حدود قدرة الحكومة العراقية على إعادة رسم خريطة النفوذ الأمني وإعادة المناطق الخلافية إلى الإدارة الرسمية، من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.




