نقص التمويل يفتح جبهة جديدة داخل الجيش الإسرائيلي

تفتح أزمة شراء مروحيات هجومية جديدة، بالتزامن مع الجدل بشأن مكافآت الجنود المسرّحين، نقاشاً داخل إسرائيل حول أولويات الإنفاق العسكري بعد أكثر من عامين من الحرب. وبين احتياجات الجيش لتعزيز قدراته ومطالب المقاتلين بتحسين أوضاعهم، يبرز سؤال بشأن موقع هذه الملفات في حسابات الحكومة والأحزاب مع اقتراب انتخابات 2026.
وبحسب مقال للصحافي أفي أشكنازي، فإن الخلاف على تمويل صفقة مروحيات «أباتشي» كشف عن تباينات داخل الحكومة الإسرائيلية بشأن كيفية توجيه المخصصات العسكرية، فيما أثارت قيمة مكافآت التسريح استياء مقاتلين يستعدون لإنهاء خدمتهم بعد أشهر طويلة من القتال.
صفقة الأباتشي تتعثر بسبب الخلاف على التمويل
تتمحور إحدى أبرز نقاط الخلاف حول شراء 12 مروحية هجومية من طراز «أباتشي»، يقول الجيش الإسرائيلي إنه يحتاج إليها لتعزيز قدراته العملياتية. ووفق المقال، حالت اعتراضات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ومسؤولين في وزارته دون إتمام الصفقة في الموعد المحدد.
وتعود جذور الخلاف إلى اختلاف في تقدير أولويات الإنفاق، إذ ترى وزارة المالية أن الموارد ينبغي أن تُوجّه إلى مجالات أخرى، في حين تعتبر جهات داخل وزارة الدفاع والمؤسسة الأمنية أن المروحيات تمثل حاجة عسكرية ملحّة.
وبحسب الرواية الواردة في المقال، توجه سموتريتش ومسؤولون في وزارته إلى المستشارة القضائية للحكومة غالي بهاراف-ميارا، قبيل الموعد النهائي لتوقيع الاتفاق، بحجة أن الصفقة الجديدة لا ينبغي إقرارها قبل أسبوعين من الانتخابات. وأدى قبول هذه الحجة إلى وقف إجراءات الشراء.
إخفاق 7 أكتوبر يعيد فتح ملف بناء الجيش
يربط المقال الجدل الحالي بالانتقادات التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر 2023، حين واجهت القوات الإسرائيلية صعوبة في احتواء الهجوم الذي شنته حركة حماس على مناطق ومواقع عسكرية في محيط قطاع غزة.
ووفق التقييم الذي عرضه الكاتب، لم يكن سلاح الجو مستعداً بالقدر الكافي للتعامل مع هجوم واسع من هذا النوع، سواء من ناحية سرعة الاستجابة أو توافر عدد مناسب من مروحيات الهجوم والقدرات اللازمة لرصد أهداف متحركة متعددة.
ويعيد المقال جانباً من هذه الثغرات إلى سياسات عسكرية امتدت لسنوات، اتجهت خلالها حكومات إسرائيلية متعاقبة، معظمها برئاسة بنيامين نتنياهو، إلى تقليص بعض التشكيلات التقليدية والاعتماد بدرجة أكبر على التكنولوجيا المتقدمة.
واستند هذا التوجه، بحسب المقال، إلى تقديرات اعتبرت إيران التهديد الاستراتيجي الأساسي، مع افتراض أن اتفاقات السلام مع مصر والأردن والهدوء النسبي على الجبهة السورية يتيحان تقليص بعض الوحدات العسكرية.
وشملت التخفيضات، وفق التقرير، إغلاق ألوية مدرعة وسرب من مروحيات الهجوم، إلى جانب سرايا في الهندسة القتالية ووحدات مساندة لسلاح المدرعات. كما طُرحت خطط لإغلاق سرب إضافي من المروحيات خلال عامي 2024 و2025.
ميزانية لعشر سنوات لإعادة بناء القدرات العسكرية
بعد هجوم أكتوبر، اتجهت الحكومة الإسرائيلية إلى مراجعة احتياجات الجيش، مع طرح خطة لبناء القوة العسكرية على مدى عشر سنوات، بقيمة إجمالية تبلغ 350 مليار شيكل، وفق الأرقام الواردة في المقال.
وتضمنت الخطة تعزيز القوات البرية بإضافة ألوية مدرعة وكتائب هندسة، وشراء مدافع وسفن حربية، إلى جانب تطوير قدرات سلاح الجو من خلال اقتناء أسراب مقاتلة وطائرات للتزود بالوقود ومروحيات نقل.
كما شملت المقترحات شراء 12 مروحية «أباتشي» بصورة عاجلة، في إطار مساعٍ لتعويض النقص في القدرات الهجومية.
ويرى المقال أن امتلاك عدد أكبر من هذه المروحيات خلال الساعات الأولى من هجوم 7 أكتوبر ربما كان سيساعد على احتواء جانب من الهجوم وتقليل الخسائر، وهو تقدير يعكس وجهة نظر الكاتب ومصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وليس نتيجة يمكن الجزم بها.
وكانت لجنة وزارية قد وافقت مبدئياً، في نيسان، على مشتريات عسكرية تشمل أسراباً مقاتلة ومروحيات وطائرات للتزود بالوقود، قبل أن تتعثر صفقة المروحيات بسبب الخلاف المالي والإجرائي.
الجدل لا يقتصر على المروحيات
يتجاوز النقاش مسألة شراء الطائرات إلى طبيعة التهديدات التي تستعد إسرائيل لمواجهتها في المرحلة المقبلة. ويشير المقال إلى تقارير تحدثت عن احتمال دخول إسرائيل في مواجهة عسكرية جديدة، كما تناول مضمون محادثة بين رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير ونظيره الأميركي، قيل إنه أشار خلالها إلى استعداد إسرائيل للانضمام إلى القتال ضد إيران إذا شنت الولايات المتحدة هجوماً عليها.
وفي سياق الحديث عن ميزان القوى الإقليمي، نقل المقال عن ضابط إسرائيلي قوله إن حجم القوات البحرية والجوية لا يمثل العامل الوحيد الذي يحسم الحروب، مشدداً على أهمية معنويات الجنود والمقاتلين.
لكن هذا الطرح يتقاطع مع سؤال آخر يثيره المقال: إلى أي مدى تنجح الحكومة في توفير الموارد اللازمة لتجهيز القوات، بالتوازي مع الحفاظ على معنويات الجنود الذين خاضوا فترات طويلة من القتال؟
22 ألف شيكل لمقاتلين بعد 32 شهراً من الخدمة
في ملف موازٍ، أثار مقاتلون من دفعة آذار، يستعدون للتسريح خلال أسابيع، تساؤلات بشأن قيمة المكافأة التي سيحصلون عليها بعد 32 شهراً من الخدمة العسكرية، بينها نحو 26 شهراً من القتال شبه المتواصل في غزة ولبنان، وفق ما ورد في المقال.
وقال المقاتلون إن مكافأة التسريح ستبلغ نحو 22 ألف شيكل، أي ما يعادل قرابة 691 شيكلاً عن كل شهر من مدة الخدمة الإجمالية.
كما أشار أحدهم إلى أن الراتب العسكري للمقاتل يبلغ نحو 2600 شيكل شهرياً خلال العامين الأولين، ويرتفع إلى 3200 شيكل في العام الثالث، مضيفاً أن هذه الرواتب لم تُحدّث منذ سنوات.
وأثارت هذه الأرقام تساؤلات بشأن حجم الدعم المالي الذي يحصل عليه الجنود بعد فترات طويلة من الخدمة والقتال، وما إذا كانت الحكومة والأحزاب السياسية تمنح هذا الملف الاهتمام الكافي.
ويشير المقال إلى أن أعداد المقاتلين في الخدمة النظامية تبقى محدودة نسبياً مقارنة بإجمالي السكان، وأن آلاف الجنود فقط يُسرّحون سنوياً، ما يطرح تساؤلات بشأن الكلفة المحتملة لرفع قيمة المكافآت وتحسين التعويضات.
الحريديم والانتخابات.. من يحظى بالأولوية؟
يربط أشكنازي بين الخلاف على المروحيات ومكافآت الجنود وبين التنافس السياسي مع اقتراب انتخابات 2026، معتبراً أن غياب مواقف واضحة من المرشحين والأحزاب بشأن تعزيز الجيش وأوضاع المقاتلين يعكس قصوراً في النقاش السياسي.
كما ينتقد الكاتب ما يراه قدرة أكبر لدى الأحزاب الحريدية على حشد الدعم لقضاياها والدفاع عن مصالح جمهورها، مقارنة بما يقدمه السياسيون للمقاتلين الذين أمضوا أشهراً طويلة في ساحات القتال.
ويضع المقال هذه المفارقة في إطار أوسع يتعلق بتوزيع الموارد والامتيازات داخل المجتمع الإسرائيلي، وبكيفية انعكاس الحسابات الائتلافية والانتخابية على القرارات العسكرية والاجتماعية.
ويختتم أشكنازي بطرح سؤال حاد حول ترتيب الأولويات عشية الانتخابات، مستخدماً عبارة «المتهرب قبل المقاتل» للتعبير عن انتقاده لما يعتبره تراجعاً في مكانة الجنود الذين يخدمون في الجيش.
وفي المحصلة، يكشف الجدل حول مروحيات «أباتشي» ومكافآت التسريح عن خلاف يتجاوز صفقة عسكرية أو تعويضاً مالياً، ليصل إلى كيفية تمويل الجيش، وتحديد احتياجاته بعد الحرب، ومدى حضور المقاتلين في حسابات الحكومة والأحزاب مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي.




