أخبــاربلاد المهجرنبض الساعةهيدلاينز

معركة السفن تتمدد.. هل تقترب المواجهة من حدود الناتو؟

تدخل المواجهة الروسية الأوكرانية في البحر الأسود مرحلة أكثر خطورة مع اتساع الهجمات التي تطال السفن التجارية ومرافق الموانئ، وارتفاع الخسائر في صفوف البحارة، في تطورات تهدد طرق نقل النفط والحبوب، وتزيد المخاوف بشأن أمن الملاحة قرب سواحل الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي «الناتو».

ولم تعد تداعيات الحرب مقتصرة على القطع العسكرية والمنشآت المرتبطة بالعمليات القتالية، بل امتدت إلى سفن الشحن وناقلات النفط والمواد الكيميائية والحبوب، ما جعل حركة التجارة البحرية تواجه مخاطر متزايدة، وسط ارتفاع تكاليف التأمين والنقل وتزايد الضغوط على شركات الشحن والأطقم العاملة في المنطقة.

وتشير طبيعة الهجمات المتبادلة إلى أن البحر الأسود بات ساحة ضغط اقتصادي وعسكري في آن واحد، إذ تسعى موسكو إلى إضعاف قدرة أوكرانيا على تصدير منتجاتها وضرب منشآتها الحيوية، بينما تحاول كييف رفع تكلفة العمليات البحرية الروسية وتعطيل خطوط الإمداد المرتبطة بها.

الموانئ وسلاسل الإمداد في دائرة الاستهداف

تستهدف الهجمات الروسية، وفق تقديرات عسكرية أوكرانية، مسارين رئيسيين. يتمثل الأول في إضعاف الاقتصاد الأوكراني عبر ضرب موانئ تصدير الحبوب، ولا سيما أوديسا وموانئ نهر الدانوب، فيما يركز الثاني على استخدام السفن الحربية والغواصات لإطلاق صواريخ كروز من طراز «كاليبر» باتجاه المنشآت الحيوية وسلاسل الإمداد العسكري داخل أوكرانيا.

ولا تقتصر تداعيات استهداف الموانئ على الأضرار المادية المباشرة، بل تشمل تعطيل حركة التجارة ورفع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما يزيد الضغوط الاقتصادية على كييف ويضعف قدرة الشركات على العمل بصورة منتظمة.

كما أن امتداد المخاطر إلى مناطق خارج المياه الأوكرانية يجعل التخطيط للرحلات البحرية أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع صعوبة التنبؤ بمواقع الهجمات وتوقيتها، واحتمال تعرض السفن المدنية لأضرار أثناء وجودها في مناطق قريبة من العمليات العسكرية.

في المقابل، تسعى أوكرانيا إلى توسيع نطاق عملياتها ضد الأسطول الروسي وخطوط الإمداد البحرية التي تساعد موسكو على مواصلة عملياتها في المنطقة. ويشمل هذا التوجه الضغط على السفن والبنية اللوجستية المرتبطة بالنشاط الروسي، بهدف رفع تكلفة استخدام الموانئ والمسارات البحرية القريبة من مناطق القتال.

وتوفر الطائرات المسيّرة البحرية والجوية والصواريخ الموجهة لكييف خيارات لمواجهة التفوق الروسي التقليدي في القدرات البحرية، لكن فاعلية هذه العمليات تظل مرتبطة باستمرارها، وقدرة القوات الأوكرانية على الوصول إلى أهدافها، ومدى تأثير الهجمات في حركة السفن وقرارات شركات الشحن.

البحر الأسود.. مخاطر تتجاوز مضيق هرمز

تكشف أعداد السفن التي تعرضت للهجمات عن اتساع المخاطر التي تواجه الملاحة في البحر الأسود. فقد أشارت بيانات للأمن البحري إلى تعرض أكثر من 570 سفينة لضربات خلال العام الجاري، مع مقتل ما لا يقل عن 40 بحارًا، مقارنة بـ24 حالة وفاة مؤكدة في مضيق هرمز، وفق الأرقام الواردة في التقارير المتعلقة بالحادثين البحريين.

وشملت الهجمات سفنًا لنقل النفط والبضائع والحبوب، بعضها تعرض للضربات بصورة مباشرة، فيما وقع بعضها الآخر في مناطق شهدت تبادلًا للنيران أو عمليات عسكرية متقاربة.

وسجلت المنطقة تصعيدًا ملحوظًا خلال الصيف، إذ تعرضت نحو 387 سفينة لضربات بين تموز وأيلول، بزيادة تجاوزت خمسة أضعاف مقارنة بالربع السابق، فيما تخطى متوسط الهجمات أربع عمليات يوميًا خلال الربع الثالث، وفق البيانات المتداولة.

وتعكس هذه الأرقام حجم التحول الذي طرأ على بيئة الملاحة في البحر الأسود، حيث أصبحت السفن المدنية تواجه أخطارًا تتجاوز الحوادث التقليدية أو التهديدات المحدودة، لتشمل الاستهداف المباشر والأضرار الناجمة عن العمليات العسكرية المتبادلة.

ويثير هذا التصعيد مخاوف من اتساع تأثير الحرب على التجارة الدولية، خصوصًا أن البحر الأسود يمثل ممرًا رئيسيًا لصادرات الحبوب والمنتجات الزراعية والطاقة، ويرتبط بشبكة من الموانئ والطرق البحرية التي تعتمد عليها دول عديدة.

الخطر يقترب من سواحل دول الناتو

امتدت الهجمات إلى المياه القريبة من رومانيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، في تطور زاد القلق من انتقال تداعيات الحرب إلى مناطق أقرب إلى أراضي الحلف.

وفي 15 تشرين الأول، تعرضت ناقلة المواد الكيميائية «واين تريدر» لهجوم بطائرة مسيّرة أثناء انتظارها تحميل شحنة من مولدوفا، كما تعرضت الناقلة «يارا جي» لهجوم في الليلة نفسها قرب مدخل قناة سولينا.

وأعلنت السلطات الرومانية لاحقًا تعرض ناقلة أخرى لضربة قبالة سواحل البلاد، أسفرت عن مقتل بحار وفقدان ثلاثة آخرين. واتهم الرئيس الروماني نيكوشور دان روسيا بتصعيد الحرب بالقرب من أراضي الحلف.

أما بلغاريا، فقد شهدت بدورها مخاوف من امتداد الهجمات إلى المياه القريبة من سواحلها، بعد استهداف سفن بطائرات مسيّرة. وطلبت الحكومة مساعدة حلفائها لتعزيز الأمن البحري، في حين لم توجه اتهامًا مباشرًا إلى موسكو بتنفيذ تلك الهجمات.

وقال رئيس الوزراء البلغاري رومين راديف إن نتائج الهجمات «تخدم روسيا»، في إشارة إلى تقديره للتداعيات الاستراتيجية للتصعيد، لا إلى إثبات المسؤولية المباشرة عن كل حادثة.

ويضع اقتراب الهجمات من المياه المحاذية لدول الناتو الحلف أمام تحديات تتعلق بمراقبة المجال البحري وحماية الملاحة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقال المواجهة إلى صدام مباشر بين روسيا والحلف. وتزداد أهمية هذا التوازن مع استمرار العمليات العسكرية في منطقة تتداخل فيها المصالح التجارية والأمنية لدول عدة.

هجمات متبادلة تستهدف الأسطول الروسي

في المقابل، وسعت أوكرانيا عملياتها البحرية ضد السفن الروسية ضمن حملة تهدف إلى تعطيل الإمدادات المرتبطة بالديزل من شبه جزيرة القرم، قبل أن تمتد الهجمات إلى الملاحة في مضيق كيرتش، الذي يربط بحر آزوف بالبحر الأسود.

وفي أيلول، أعلن قائد القوات الأوكرانية روبرت بروفدي أن كييف استهدفت أكثر من 300 سفينة روسية خلال 11 أسبوعًا، بينها ناقلات خاضعة للعقوبات وسفن تنقل الحبوب الروسية.

وتندرج هذه العمليات ضمن استراتيجية أوسع تعتمد على استخدام المسيّرات البحرية والأسلحة الموجهة لاستهداف الأصول البحرية الروسية، بدلًا من الاعتماد حصريًا على المواجهة التقليدية بين السفن الحربية.

وردت موسكو بتكثيف هجماتها على السفن التي تزور الموانئ الأوكرانية. وتشير بيانات متداولة إلى أن روسيا نفذت نحو 90% من الهجمات المسجلة على السفن خلال فترة امتدت 45 يومًا، ما يعكس حدة التصعيد خلال تلك المرحلة.

وامتدت الأضرار إلى مناطق القيادة وأماكن إقامة الأطقم، بعدما كانت تتركز في بعض الحالات على المحركات وأنظمة التوجيه، الأمر الذي يزيد مخاطر سقوط ضحايا بين البحارة المدنيين الذين يعملون على متن السفن التجارية.

وتوضح هذه التطورات أن السفن باتت جزءًا من معادلة الضغط المتبادل بين موسكو وكييف، سواء من خلال استهداف قدرات النقل والإمداد أو رفع كلفة النشاط البحري للطرف الآخر.

المسيّرات تغير حسابات القوة البحرية

أحد أبرز التحولات في المواجهة يتمثل في تراجع قدرة الأسطول الروسي على التحرك بحرية مطلقة في البحر الأسود، نتيجة اعتماد أوكرانيا المتزايد على المسيّرات البحرية والصواريخ الموجهة.

وقد أجبرت الهجمات الأوكرانية القوات البحرية الروسية على إعادة تقييم انتشار سفنها، وتقليص وجود بعض القطع في قواعد متقدمة داخل شبه جزيرة القرم. كما نُقلت سفن حربية ومنصات إطلاق صواريخ من سيفاستوبول إلى مواقع أكثر أمانًا شرقًا، بينها نوفوروسيسك.

ولا يعني هذا التحول فقدان روسيا قدرتها على تنفيذ عمليات بحرية أو إطلاق ضربات صاروخية باتجاه أهداف داخل أوكرانيا، لكنه يشير إلى ارتفاع تكلفة الحفاظ على الانتشار البحري في بعض المناطق، وإلى تنامي أثر الأسلحة غير المتماثلة في تغيير حسابات العمليات.

وتجمع المواجهة الحالية بين المسيّرات البحرية والهجمات الجوية والضربات الصاروخية واستهداف البنية التحتية التجارية، ما يجعل الفصل بين الجبهة العسكرية وحركة التجارة المدنية أكثر صعوبة.

وفي ظل هذا الواقع، لا تقتصر أهمية التفوق البحري على عدد السفن أو قوتها النارية، بل تشمل القدرة على حماية خطوط الإمداد، وتأمين الموانئ، ومنع الخصم من استخدام البحر أداة للضغط الاقتصادي والعسكري.

فاتورة التأمين والنقل ترتفع

يتزايد العبء الاقتصادي على قطاع الشحن مع اتساع مناطق الخطر. ففي منتصف أيلول، وسعت اللجنة المشتركة لمخاطر الحرب نطاق المناطق البحرية المصنفة ضمن أعلى مستويات التهديد ليشمل معظم البحر الأسود، باستثناء المياه الإقليمية لرومانيا وبلغاريا وتركيا.

لكن وقوع هجمات قرب هذه المناطق دفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم مخاطر الرحلات، حتى في المياه التي لا تُصنف رسميًا ضمن مناطق الخطر الأعلى.

وتشير تقديرات إلى أن تكلفة التأمين ضد مخاطر الحرب قد تصل إلى 15% من قيمة هيكل السفينة، أي ما يقارب ضعف المعدلات المسجلة للسفن العاملة في الخليج. وتزيد هذه التكاليف الأعباء التشغيلية على مالكي السفن، وقد تنعكس على أسعار نقل البضائع والسلع.

كما دفعت تكاليف التأمين المرتفعة بعض المالكين إلى تشغيل ناقلات قديمة يصل عمر بعضها إلى 50 عامًا، في حين يواجه البحارة ضغوطًا لقبول العمل في مناطق القتال مقابل زيادات محدودة في الأجور.

وتثير هذه الممارسات مخاوف إضافية بشأن السلامة البحرية، إذ إن تشغيل سفن قديمة في بيئة عالية المخاطر قد يزيد تبعات أي إصابة أو عطل، في وقت تصبح فيه عمليات الإنقاذ والصيانة أكثر صعوبة بسبب استمرار العمليات العسكرية.

ولا تتوقف التداعيات عند الشركات والأطقم، بل تمتد إلى أسواق الطاقة والحبوب، مع احتمال تأخر الشحنات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما قد ينعكس على سلاسل الإمداد والأسعار في الدول المستوردة.

معركة بحرية مفتوحة على احتمالات متعددة

يؤكد تصاعد الهجمات في البحر الأسود أن الحرب الروسية الأوكرانية باتت تؤثر بصورة مباشرة في أمن الملاحة والتجارة الدولية، وأن السفن التجارية لم تعد بمنأى عن التداعيات العسكرية حتى عندما لا تكون أهدافًا قتالية معلنة.

وتتقاطع في هذه المواجهة ثلاثة مسارات رئيسية: محاولة روسيا تعطيل الصادرات الأوكرانية واستهداف البنية التحتية، وسعي كييف إلى الضغط على الأسطول الروسي وخطوط إمداده، وقلق الدول المطلة على البحر الأسود من اقتراب الهجمات من مياهها وسواحلها.

وفي الوقت نفسه، يواجه قطاع الشحن ارتفاعًا في التكاليف وتراجعًا في القدرة على التنبؤ بالمخاطر، بينما يجد البحارة المدنيون أنفسهم في بيئة أكثر خطورة، مع اتساع نطاق الأضرار التي تطال السفن والأطقم.

ومن المرجح أن يبقى أمن البحر الأسود مرتبطًا بمسار الحرب وقدرة الطرفين على مواصلة الهجمات البحرية، إلى جانب الإجراءات التي تتخذها الدول المطلة عليه وحلفاؤها لحماية الملاحة. أما الخطر الأوسع فيتمثل في استمرار تحول الممرات التجارية إلى أدوات ضغط في الصراع، بما يجعل تداعيات الحرب تتجاوز حدود روسيا وأوكرانيا لتطال التجارة والطاقة والأمن البحري في المنطقة بأكملها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى