أخبــاربلاد الشامبلاد المهجر

أزمة القنصلية البريطانية في القدس تصعّد الخلاف بين لندن وتل أبيب

تحولت العقوبات البريطانية المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية إلى أزمة دبلوماسية متصاعدة بين لندن وتل أبيب، بعدما قررت إسرائيل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وحددت الثامن من أكتوبر موعداً لتنفيذ القرار.

وفي المقابل، تدرس بريطانيا إجراءات دبلوماسية مضادة قد تشمل طرد دبلوماسيين إسرائيليين من أراضيها، في خطوة من شأنها أن تمثل أحد أكثر أشكال المعاملة بالمثل حدة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.

وتجري اتصالات مكثفة لمحاولة احتواء الخلاف، فيما أوفدت لندن مستشار الأمن القومي جوناثان باول إلى إسرائيل للتوصل إلى صيغة تحول دون إغلاق القنصلية أو تؤجل تنفيذ القرار. ولم تسفر محادثاته حتى الآن عن اتفاق، بينما لا تزال الاتصالات مستمرة.

ولا يقتصر الخلاف على مصير بعثة دبلوماسية، إذ يرتبط أيضاً بموقف بريطانيا من الاستيطان الإسرائيلي، وقدرتها على الحفاظ على قنوات اتصال مباشرة مع الفلسطينيين، ومستقبل العلاقات الثنائية مع إسرائيل.

من العقوبات إلى إغلاق القنصلية

بدأ التصعيد بعد إعلان الحكومة البريطانية إجراءات تستهدف السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة، إلى جانب قيود تطال شركات وأفراداً يقدمون خدمات مرتبطة بالبناء أو البنية التحتية أو تمويل التوسع الاستيطاني.

وتعتزم لندن إدخال النظام القانوني الخاص بهذه الإجراءات خلال فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر، مع استمرار التجارة مع إسرائيل ضمن حدود ما قبل عام 1967.

وبررت الحكومة البريطانية خطواتها بأن التوسع الاستيطاني والعنف المرتبط بالمستوطنين يقوضان فرص إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.

كما انتقدت لندن خطط البناء الاستيطاني في المنطقة المعروفة باسم «E1» شرق القدس، والتي تتضمن آلاف الوحدات الاستيطانية، محذرة من أن تنفيذها قد يؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها ويقوض فرص حل الدولتين.

وردت إسرائيل بإجراءات مضادة، أبرزها قرار إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية خلال 30 يوماً، وإنهاء مشاركة بريطانيا في آلية التنسيق التي تقودها الولايات المتحدة بشأن غزة، ووقف برنامج تدريب بريطاني لقوات السلطة الفلسطينية، إضافة إلى فرض قيود على دخول بعض المسؤولين البريطانيين إلى إسرائيل.

قنصلية مختلفة عن السفارة

ولا تمثل القنصلية البريطانية في القدس الشرقية السفارة البريطانية لدى إسرائيل، إذ إن السفارة موجودة في تل أبيب. وتعمل القنصلية كبعثة منفصلة تتولى التواصل البريطاني مع الفلسطينيين في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب تقديم خدمات قنصلية.

وترى لندن أن إغلاق القنصلية سيحد من قدرتها على العمل والتواصل في الأراضي الفلسطينية، فضلاً عن أن موقعها في القدس الشرقية يرتبط بموقف بريطانيا من وضع المدينة، إذ لا تعترف لندن بضم إسرائيل للجزء الشرقي منها.

وتعتبر بريطانيا، إلى جانب الأمم المتحدة ومعظم المجتمع الدولي، القدس الشرقية جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

التلويح بالمعاملة بالمثل

ومع اقتراب موعد الإغلاق، تدرس الحكومة البريطانية، وفق تقارير، إمكانية طرد دبلوماسيين إسرائيليين رداً على القرار الإسرائيلي.

وتشير تقديرات إلى أن عدد الدبلوماسيين الذين قد تستهدفهم الخطوة البريطانية يمكن أن يصل إلى 27 دبلوماسياً، في حال احتُسب عدد الموظفين البريطانيين الذين سيتأثرون بإغلاق القنصلية مقابلهم.

ولم تعلن الحكومة البريطانية قراراً نهائياً بهذا الشأن، بينما تؤكد لندن أنها لا تعلق على التكهنات أو المناقشات الجارية بشأن الإجراءات المحتملة.

ومن شأن تنفيذ طرد واسع النطاق أن يمثل تصعيداً دبلوماسياً كبيراً، رغم أن السفارة البريطانية في إسرائيل ستواصل عملها. كما قد تمتد تداعيات الخلاف إلى مجالات التعاون الأمني والدفاعي والتكنولوجي بين البلدين.

ويرتبط التصعيد أساساً بالخلاف حول العقوبات البريطانية المتعلقة بالمستوطنات، إلى جانب معارضة لندن لخطط التوسع الاستيطاني في المنطقة «E1».

هل تلوح تسوية خلف الكواليس؟

ولا توجد حتى الآن مؤشرات علنية مؤكدة على اتفاق يقايض وقف إجراءات معينة ضد المستوطنات بالإبقاء على القنصلية مفتوحة. لكن استمرار الاتصالات يترك الباب مفتوحاً أمام تسوية قد تتضمن تأجيل الإغلاق أو تخفيف تداعياته مقابل تفاهمات بشأن نطاق العقوبات البريطانية.

ومن بين الخيارات المطروحة فصل القيود المفروضة على المستوطنات عن التجارة العامة مع إسرائيل، بما يسمح بتجنب اتساع الخلاف ليشمل العلاقات الاقتصادية الثنائية على نطاق أوسع.

وتسعى لندن في الوقت نفسه إلى تجنب الإضرار بقنوات الاتصال التي تحتاج إليها في غزة والضفة الغربية، في وقت تعتبر فيه الحكومة البريطانية أن التراجع عن إجراءاتها قد يضعف موقفها المعلن بشأن الاستيطان وحل الدولتين.

خلاف قد يتجاوز حدود البلدين

ولم تعد الإجراءات البريطانية معزولة تماماً، إذ انضمت دول غربية أخرى إلى خطوات تستهدف السلع والخدمات المرتبطة بالمستوطنات، ما يفتح الباب أمام احتمال اتساع نطاق السياسة الرامية إلى التمييز اقتصادياً بين إسرائيل داخل حدود عام 1967 والمستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

في المقابل، تراهن إسرائيل على استمرار التباينات بين الدول الأوروبية، إلى جانب حساسية الملفات الأمنية والانتخابات، للحيلولة دون تشكل موقف غربي موحد تجاه الاستيطان.

وبذلك تجد لندن نفسها أمام معادلة دقيقة: التراجع عن إجراءاتها قد يضعف التزاماتها المعلنة تجاه حل الدولتين، بينما قد يؤدي التصعيد الدبلوماسي مع تل أبيب إلى الإضرار بقنوات التواصل والتعاون التي تعتمد عليها في ملفات غزة والضفة الغربية والأمن الإقليمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى