آلاف الجوازات وملايين الدولارات.. تفاصيل مزعومة عن نفوذ حزب الله في فنزويلا

تتداخل في فنزويلا ملفات سياسية وأمنية ومالية معقدة، في ظل اتهامات بوجود شبكات مرتبطة بـ«حزب الله» اللبناني تستفيد من ثغرات مؤسسات الدولة، وتستخدم مسارات مالية وتجارية عابرة للحدود لتعزيز حضورها في أمريكا اللاتينية. ويبرز في هذا السياق ملف جوازات السفر الفنزويلية الصادرة خلال السنوات الماضية، إلى جانب مزاعم عن توظيف عائدات أنشطة غير مشروعة في تمويل شبكات مرتبطة بالحزب.
وتعيد هذه الاتهامات فتح النقاش بشأن طبيعة العلاقة التي جمعت مسؤولين في النظام الفنزويلي السابق بجهات وشبكات مرتبطة بإيران وحلفائها، ومدى قدرة السلطات الحالية على التعامل مع هذا الإرث، في وقت تواجه فيه البلاد مرحلة انتقال سياسي وتحديات اقتصادية وأمنية متراكمة.
ولا تزال أجزاء أساسية من هذه الملفات موضع اتهامات وتقديرات صادرة عن جهات سياسية وأمنية، ولا تعني بالضرورة ثبوت جميع الوقائع المنسوبة إلى الأطراف المعنية، الأمر الذي يجعل التمييز بين المعلومات المعلنة والتقديرات الأمنية أمراً أساسياً عند تناول القضية.
ديلسي رودريغيز أمام اختبار التعامل مع إرث المرحلة السابقة
منذ تولي ديلسي رودريغيز السلطة في كاراكاس خلفاً لنيكولاس مادورو، برزت تساؤلات بشأن اتجاه السياسة الفنزويلية الجديدة حيال العلاقات مع إيران والجهات المرتبطة بها في أمريكا اللاتينية، ولا سيما ملف النشاط المنسوب إلى «حزب الله».
وتواجه الإدارة الجديدة مطالب من أطراف سياسية داخل البلاد باتخاذ خطوات أكثر وضوحاً للتحقيق في الاتهامات المتعلقة بوجود شبكات مالية ووثائق رسمية استُخدمت، وفق هذه الاتهامات، لتسهيل تحركات أشخاص مرتبطين بالحزب أو بجهات أخرى.
في المقابل، تعمل السلطات الفنزويلية ضمن ظروف سياسية واقتصادية معقدة، تشمل إدارة مرحلة انتقالية والتحضير لاستحقاقات انتخابية، فضلاً عن أعباء مالية ولوجستية فرضتها الأزمات الداخلية والكوارث الطبيعية. غير أن هذه التحديات لم تنه الجدل بشأن مدى جدية الإجراءات المتخذة لمراجعة الملفات الأمنية والمالية الموروثة عن المرحلة السابقة.
وتتركز الأسئلة المطروحة على ما إذا كانت الحكومة ستتجه إلى فتح تحقيقات مستقلة وشفافة في الاتهامات المتعلقة بإصدار وثائق رسمية ببيانات غير صحيحة، ومراجعة حركة الأموال والشركات التي يُشتبه في ارتباطها بشبكات تمويل عابرة للحدود.
جوازات سفر فنزويلية تثير شبهات بشأن اختراق المؤسسات
يُعد ملف جوازات السفر من أبرز القضايا التي تتكرر في الاتهامات المتعلقة بنشاط «حزب الله» في فنزويلا. إذ تتحدث تقارير وتقديرات أمنية عن إصدار آلاف الوثائق الفنزويلية لأشخاص من سوريا ولبنان وإيران خلال فترة حكم مادورو، في ظروف يُشتبه في أنها شابتها مخالفات إدارية وتلاعب بالبيانات.
وتربط هذه الاتهامات الملف بطارق العيسمي، الذي شغل منصب نائب الرئيس الفنزويلي السابق، وتقول إن أكثر من عشرة آلاف جواز سفر صدرت لأشخاص من جنسيات مختلفة، بينهم أفراد يُشتبه في ارتباط بعضهم بشبكات تابعة لـ«حزب الله» أو بحركة «حماس».
لكن حجم هذه الأرقام وطبيعة الصلات المنسوبة إلى حاملي الوثائق يحتاجان إلى تدقيق مستقل، خصوصاً أن إصدار جواز سفر رسمي لا يثبت بحد ذاته انتماء حامله إلى تنظيم أو مشاركته في نشاط غير قانوني.
وتكمن أهمية القضية في احتمال استخدام وثائق رسمية تتضمن بيانات غير دقيقة لتجاوز إجراءات التدقيق الأمني والهجرة، إذا ثبتت الاتهامات المتعلقة بالتلاعب في سجلات الهوية. فمن شأن ذلك أن يثير تساؤلات حول آليات إصدار الوثائق، ومستوى الرقابة داخل المؤسسات المعنية، ومدى تورط موظفين أو مسؤولين في تسهيل هذه العمليات.
كما أن امتلاك جواز سفر صادر عن دولة معترف بها دولياً قد يمنح حامله قدرة أوسع على التنقل عبر الحدود، ما يجعل أي تلاعب في منظومة إصدار الوثائق مسألة تتجاوز الشأن الإداري الداخلي، وتمتد إلى أمن المطارات والهجرة والتعاون الدولي في مكافحة الجريمة المنظمة.
شبكات التمويل.. بين تجارة المخدرات والتعدين غير المشروع
إلى جانب ملف الوثائق، تتركز الاتهامات المتعلقة بحضور «حزب الله» في أمريكا اللاتينية على مصادر التمويل وآليات نقل الأموال، وسط تقديرات أمريكية تشير إلى أن المنطقة تشكل أحد المسارات المالية المهمة المرتبطة بالحزب.
وتتحدث هذه التقديرات عن اعتماد شبكات يُشتبه في ارتباطها به على أنشطة اقتصادية وتجارية متعددة، تشمل تهريب المخدرات، والتعدين غير المشروع، وتجارة الذهب، إضافة إلى عمليات غسل الأموال عبر شركات وواجهات تجارية.
وتبرز فنزويلا في هذه الصورة بسبب مواردها الطبيعية، وموقعها الجغرافي، والتحديات التي واجهتها مؤسساتها الرقابية خلال سنوات الأزمة الاقتصادية والسياسية. كما أن ضعف الرقابة على بعض الأنشطة التجارية والحدودية قد يتيح فرصاً لاستغلال القنوات الاقتصادية المشروعة في تمرير عائدات أنشطة غير قانونية.
وتشير تقديرات منسوبة إلى جهات استخباراتية أمريكية إلى أن نحو ثلث التمويل الذي يحصل عليه «حزب الله» يأتي من أمريكا اللاتينية، مع تقدير عائدات الشبكات المرتبطة به في المنطقة بنحو 200 مليون دولار سنوياً.
وتبقى هذه الأرقام تقديرات أمنية وليست حصيلة مالية مستقلة منشورة، كما أن تحديد حجم الأموال التي تصل فعلياً إلى الحزب يتطلب تتبعاً للمعاملات ومصادرها والجهات المستفيدة منها، وهي عملية معقدة بسبب تعدد الوسطاء والشركات والأنشطة التجارية المستخدمة.
المناطق الحدودية والتجارة.. مسارات محتملة لغسل الأموال
تتجه بعض الاتهامات إلى المناطق الحرة والحدودية في شمال أمريكا الجنوبية، باعتبارها بيئة قد تستغلها شبكات التهريب وغسل الأموال، مستفيدة من حركة التجارة الواسعة وتداخل الأنشطة الاقتصادية بين الدول.
وفي هذا السياق، يرد اسم منطقة لاغواخيرا الحدودية، إلى جانب أراوكا، ومنطقة مايكاو الكولومبية، ضمن المناطق التي تثار حولها شبهات تتعلق بتحويل الأموال والأنشطة التجارية غير المشروعة.
وتكمن حساسية هذه المناطق في طبيعتها الجغرافية والاقتصادية، إذ تتداخل فيها حركة الأفراد والبضائع عبر الحدود، ما يجعل مراقبة التدفقات المالية والتجارية أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل نشاط شبكات الجريمة المنظمة.
كما تتحدث اتهامات أمنية عن وجود تعاون بين شبكات مرتبطة بـ«حزب الله» وجماعات مسلحة تنشط في المنطقة، من بينها جيش التحرير الوطني الكولومبي، في أنشطة تشمل تهريب المخدرات والذهب. غير أن طبيعة هذه العلاقات وحجمها يحتاجان إلى أدلة تفصيلية تحدد الأطراف المشاركة، ونوعية الأنشطة، ومسارات الأموال الناتجة عنها.
ويعكس هذا الجانب من الملف اتساع التحديات الأمنية في المنطقة، إذ لا تقتصر المخاطر على نشاط تنظيم بعينه، بل تشمل تداخل الجريمة المنظمة والتهريب والفساد وضعف الرقابة على الحدود، وهي عوامل قد تتيح لشبكات متعددة العمل ضمن بيئة يصعب ضبطها.
حضور يمتد لعقود وتحولات في طبيعة النشاط
لا ترتبط الاتهامات المتعلقة بنشاط «حزب الله» في أمريكا اللاتينية بالسنوات الأخيرة فقط، إذ تعود بعض التقديرات الأمنية إلى وجود صلات وشبكات مرتبطة بالحزب في المنطقة منذ عقود، مع تركّز الاهتمام على دول شهدت نشاطاً تجارياً واسعاً وجاليات من أصول شرق أوسطية.
وخلال هذه الفترة، تغيرت طبيعة النشاط المنسوب إلى تلك الشبكات، وفق التقديرات ذاتها، من الاعتماد على العلاقات الاجتماعية والتجارية إلى استخدام هياكل مالية وشركات وواجهات تجارية يصعب أحياناً تحديد المستفيدين الفعليين منها.
وتشير هذه القراءات إلى أن التحولات الإقليمية والضغوط المالية والعقوبات المفروضة على الحزب قد تكون دفعت شبكات مرتبطة به إلى تنويع مصادر التمويل والبحث عن قنوات خارج نطاق نشاطه التقليدي في الشرق الأوسط.
لكن الربط بين توسع النشاط المالي في أمريكا اللاتينية والخسائر التي تكبدها الحزب في المواجهات العسكرية الأخيرة مع إسرائيل يظل في إطار التحليل والتقدير، ولا يمكن اعتباره دليلاً مستقلاً على دوافع كل عملية مالية أو تجارية يُشتبه في ارتباطها به.
المواجهة مع إسرائيل والضغوط المالية.. خلفية إضافية للملف
تأتي هذه الاتهامات في وقت تعرض فيه «حزب الله» لضغوط عسكرية ومالية متزايدة على خلفية المواجهات مع إسرائيل، وما رافقها من أضرار واسعة في البنية التحتية والمناطق السكنية في جنوب لبنان.
وقد أعادت هذه التطورات طرح الأسئلة بشأن قدرة الحزب على الحفاظ على موارده المالية وشبكاته اللوجستية، والجهات التي يمكن أن توفر له مصادر دخل خارج المنطقة. وفي هذا الإطار، تنظر بعض التقديرات الأمنية إلى أمريكا اللاتينية باعتبارها ساحة محتملة لتعويض جزء من الضغوط المالية، عبر شبكات تجارية وتحويلات مالية وأنشطة غير قانونية.
ومع ذلك، فإن تحديد العلاقة بين هذه الشبكات والاحتياجات المالية للحزب يتطلب أدلة تتجاوز التزامن بين الضغوط العسكرية والاتهامات المتعلقة بتدفقات الأموال، بما يشمل توثيق التحويلات والجهات المستفيدة منها.
اختبار الشفافية أمام الحكومة الفنزويلية
يضع هذا الملف السلطات الفنزويلية أمام مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالشفافية والمساءلة، وفي مقدمتها حقيقة ما جرى في منظومة إصدار جوازات السفر، ومدى وجود تلاعب في السجلات الرسمية، وطبيعة العلاقات المالية والتجارية التي نشأت خلال سنوات حكم مادورو.
كما يطرح تحدياً يتصل بقدرة المؤسسات الأمنية والقضائية على التحقيق في اتهامات تطال مسؤولين سابقين وشبكات عابرة للحدود، من دون تحويل الملف إلى أداة للصراع السياسي الداخلي أو الاكتفاء بتبني روايات أطراف خارجية.
وتبقى معالجة القضية مرتبطة بمدى توافر أدلة قابلة للتحقق، ونشر نتائج التحقيقات، وتحديد المسؤوليات القانونية بصورة واضحة، إلى جانب تعزيز الرقابة على الحدود والمعاملات المالية وإصدار الوثائق الرسمية.
وفي ظل تشابك المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية في أمريكا اللاتينية، لا يقتصر ملف فنزويلا على طبيعة العلاقة مع «حزب الله»، بل يمتد إلى قدرة الدولة على استعادة السيطرة على مؤسساتها، ومواجهة الفساد والجريمة المنظمة، ومنع استخدام أراضيها أو وثائقها الرسمية في أنشطة غير قانونية.




