
تعمل الولايات المتحدة على إعداد ترتيبات أمنية جديدة بين لبنان وإسرائيل، تتضمن إنشاء قنوات اتصال مباشرة بين المؤسستين العسكريتين، ووضع آلية للتحقق من انسحاب القوات الإسرائيلية وانتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية. وتأتي هذه التحركات ضمن مساعٍ أمريكية لتعزيز سلطة الدولة اللبنانية ومنع حزب الله من إعادة بناء مواقعه العسكرية، بالتزامن مع التحضير لاجتماعات مرتقبة في ولاية فلوريدا.
وجاءت هذه الجهود عقب اتصال أجراه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بالرئيس اللبناني جوزاف عون، تناول تنفيذ الاتفاق الأمني وملف السلاح خارج سلطة الدولة، في ظل خلاف بشأن شحنة متفجرات ضبطتها السلطات اللبنانية، أقر حزب الله بملكيتها وطالب بإعادتها، إلى جانب الإفراج عن الموقوفين في القضية.
وتتركز المناقشات المرتقبة على وضع آلية مشتركة لمراقبة التطورات الميدانية، وتوثيق انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، إلى جانب تحديد إجراءات للتعامل مع الخروقات والحوادث الحدودية، بما يحد من احتمالات التصعيد.
واشنطن تحدد أولويات الترتيبات الأمنية
تشمل المقترحات الأمريكية إنشاء قناة اتصال بين ضباط ارتباط لبنانيين وإسرائيليين، بإشراف واشنطن، لتبادل المعلومات والإشعارات المتعلقة بالتحركات العسكرية والحوادث الحدودية. ومن المفترض أن تسهم هذه القناة في معالجة الخلافات الميدانية عبر التنسيق المسبق، بدلاً من اتخاذ إجراءات منفردة قد تؤدي إلى تجدد المواجهات.
وتتضمن الطروحات أيضاً تشكيل آلية للتحقق من المواقع التي تنتقل مسؤوليتها إلى الجيش اللبناني، وإعداد تقارير دورية بشأن انتشار القوات وإزالة المنشآت العسكرية، مع بحث دور القيادة المركزية الأمريكية في تنسيق الإجراءات التنفيذية.
وتسعى واشنطن، وفق المعطيات المتداولة بشأن التحضيرات، إلى توسيع مناطق الانتشار التجريبية استناداً إلى تجارب سابقة في بلدات فرون وصريفا وزوطر الغربية. ويرتبط هذا التوجه بإمكانية تحديد مراحل متتابعة، تقابل كل مرحلة منها خطوات إسرائيلية للانسحاب وإجراءات لبنانية موثقة لتعزيز السيطرة الأمنية.
كما يجري بحث إمكانية تشكيل لجنة فنية للتحقق بمشاركة دول إضافية، بينها إيطاليا وألمانيا، مع تحديد صلاحياتها وعلاقتها بالآليات الدولية القائمة، ولا سيما في ظل اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل».
حصر السلاح.. ملف أساسي على طاولة واشنطن
يحتل ملف حصر السلاح بيد الدولة موقعاً محورياً في الترتيبات التي تدفع بها الولايات المتحدة، إذ تربط واشنطن استقرار المناطق الحدودية بمنع استمرار النشاط العسكري خارج المؤسسات الرسمية.
وفي هذا السياق، أثارت قضية شحنة المتفجرات التي ضبطتها قوى الأمن اللبنانية خلافاً بشأن مسؤولية حزب الله عن حيازتها ونقلها. وبعد إقراره بملكية الشحنة، طالب الحزب بإعادتها والإفراج عن الموقوفين، بينما شددت المواقف الأمريكية على ضرورة محاسبة المسؤولين عن نقلها وعدم إعادة المواد المضبوطة إلى الحزب.
وتعكس هذه القضية حجم التعقيدات التي تواجه أي تفاهم أمني جديد، إذ لا يقتصر الخلاف على انتشار القوات وانسحابها، بل يمتد إلى دور حزب الله العسكري ومستقبل سلاحه وعلاقته بمؤسسات الدولة اللبنانية.
وكانت الحكومة اللبنانية قد اتخذت قراراً في مارس/آذار الماضي بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، لكن تنفيذ القرار لا يزال يواجه اعتراضات من قيادته، التي تتمسك بسلاحها وتربط التخلي عنه بانسحاب القوات الإسرائيلية وتوفير ضمانات أمنية للبنان.
بيروت تطالب بضمانات واضحة للانسحاب الإسرائيلي
في المقابل، يتمسك الرئيس اللبناني جوزاف عون بربط توسيع انتشار الجيش بانسحاب إسرائيلي فعلي من المناطق المعنية، مع تحديد المواقع المشمولة بالانسحاب ومواعيد تسليمها إلى القوات اللبنانية.
وتشمل المطالب اللبنانية الحصول على ضمانات أمريكية تمنع استهداف وحدات الجيش خلال انتشارها، ووضع آلية واضحة للتعامل مع أي اعتراض إسرائيلي على نتائج التحقق، مع الحفاظ على صلاحيات القيادة العسكرية اللبنانية في إدارة العمليات الميدانية.
وتسعى بيروت كذلك إلى منع تحول قنوات الاتصال وآليات التنسيق إلى ترتيبات تمنح إسرائيل دوراً تنفيذياً داخل الأراضي اللبنانية، وتؤكد أهمية أن تظل مسؤولية الأمن وإدارة الانتشار بيد المؤسسات اللبنانية المختصة.
ولا تقتصر الأولويات اللبنانية على الجوانب العسكرية، إذ تشمل أيضاً معالجة آثار الحرب في المناطق المتضررة، وإزالة الذخائر ومخلفات القتال، وتأمين الطرق والمنازل قبل إعادة السكان إليها. ويتطلب ذلك توفير المعدات اللازمة للجيش والتنسيق مع الجهات الدولية المعنية، لضمان عودة آمنة ومستدامة للسكان.
وتبرز ضمن التحضيرات اللبنانية أسماء دبلوماسية مرتبطة بالملف، في وقت تركز فيه الاتصالات السياسية على التوصل إلى صيغة توازن بين متطلبات الانسحاب الإسرائيلي وتعزيز سلطة الدولة، من دون فرض ترتيبات تنتقص من سيادة لبنان.
سلاح حزب الله يعقّد فرص التفاهم
تأتي هذه المفاوضات في ظل استمرار الخلاف حول مستقبل سلاح حزب الله ودوره العسكري، خصوصاً بعد انخراطه في المواجهة الإقليمية إلى جانب إيران، وما رافق ذلك من خسائر بشرية وأضرار واسعة في لبنان.
وتثير مسألة احتفاظ الحزب بقدرات عسكرية مستقلة تساؤلات بشأن قدرة الدولة على بسط سلطتها الكاملة في الجنوب، ومدى استعداد الأطراف المعنية للقبول بترتيبات تضمن عدم استخدام المنطقة الحدودية منطلقاً لعمليات عسكرية جديدة.
في المقابل، يربط حزب الله التخلي عن سلاحه بانسحاب إسرائيل وتوفير ضمانات تمنع تكرار الهجمات، ما يجعل التوصل إلى تفاهم شامـل مرتبطاً بمعالجة المخاوف الأمنية والسيادية لدى الطرفين، وليس فقط بوضع آلية لمراقبة التحركات العسكرية.
ومن شأن استمرار الخلاف حول السلاح أن يعقّد تنفيذ أي اتفاق، خصوصاً إذا لم تترافق خطوات انتشار الجيش اللبناني مع انسحاب إسرائيلي واضح، أو إذا ظلت الترتيبات الأمنية موضع خلاف بشأن صلاحيات الأطراف المشاركة فيها.
الانتخابات الإسرائيلية تزيد حساسية التوقيت
تكتسب الاجتماعات المرتقبة أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، واستمرار الخلاف بشأن وتيرة الانسحاب من لبنان وشكل الضمانات الأمنية المطلوبة.
وتواجه واشنطن مهمة مزدوجة تتمثل في منع تجدد المواجهة، ودفع الأطراف نحو تفاهم يسمح بتوسيع انتشار الجيش اللبناني وتقليص فرص عودة النشاط العسكري على الحدود. لكن تحقيق ذلك يتطلب توافقاً بشأن آلية التحقق، والجدول الزمني للانسحاب، وحدود المسؤوليات الميدانية.
ومن المتوقع أن تتركز المرحلة المقبلة على التوصل إلى تفاهم أولي بشأن ضباط الارتباط ولجنة التحقق ومناطق الانتشار التالية، على أن تستمر المفاوضات بشأن التفاصيل التنفيذية للانسحاب وحصر السلاح.
وفي المقابل، تتمسك بيروت بضمانات متبادلة تتيح للجيش ممارسة مسؤولياته في الجنوب، وتمنع استمرار الهجمات الإسرائيلية على المناطق التي تنتشر فيها القوات اللبنانية.
وبين المساعي الأمريكية لتثبيت ترتيبات أمنية جديدة والمطالب اللبنانية بالانسحاب واحترام السيادة، يبقى مستقبل هذه المبادرة مرتبطاً بقدرة الأطراف على معالجة الخلافات الجوهرية بشأن سلاح حزب الله وحدود الدور الإسرائيلي، والتوصل إلى صيغة تمنع تحول التنسيق الأمني إلى مقدمة لجولة جديدة من المواجهات.




