من مضيق هرمز إلى الحدود.. واشنطن تضيق مسارات التجارة الإيرانية

تواجه إيران ضغوطاً متزايدة على تجارتها الخارجية، بعدما أُغلقت معابر برية حيوية تربطها بالعراق وباكستان، في تطور يضيف قيوداً جديدة إلى الحصار البحري الأميركي والعقوبات المفروضة على قطاعات النقل والطيران، ويحدّ من قدرة طهران على استخدام الطرق البرية لتعويض تعطل مسارات الشحن الأخرى.
وتأتي هذه التطورات في وقت تكثف فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطها الاقتصادية والعسكرية على إيران، بهدف دفعها إلى تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي، بينما لا تزال الجهود الدبلوماسية الرامية إلى استئناف المحادثات تواجه عقبات، في ظل الخلاف على شروط التفاوض.
إغلاق معابر حيوية مع العراق وباكستان
أغلق العراق منفذ الشيب الحدودي، الذي يربط مناطق في البلدين، الأربعاء، مشيراً إلى الحاجة إلى تشديد الرقابة ومكافحة التهريب. ويأتي الإجراء في وقت تتزايد فيه أهمية المعابر البرية بالنسبة إلى إيران، مع تراجع خيارات النقل البحري والجوي.
وفي باكستان، مُنعت الشاحنات القادمة من إيران من العبور عبر منفذي غابد وتفتان خلال عطلة نهاية الأسبوع، وفقاً للتقرير، لأسباب أمنية. ويُستخدم المنفذان ضمن الطرق البرية التي تربط إيران بمناطقها الشرقية وتتيح الوصول إلى موانئها.
وفي وقت سابق، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية إن بلاده تلتزم بأنظمة العقوبات السارية، وفقاً للقوانين الدولية والمحلية، في إشارة إلى القيود التي تستهدف التعاملات التجارية مع إيران.
وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن أن واشنطن تعمل مع باكستان وتركيا للحد من استخدام إيران الطرق البرية في تجارتها، في إطار ما وصفه بأنه حملة لعزل طهران اقتصادياً تتجاوز العقوبات المالية التقليدية.
كما تدرس وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على جهات توفر مستودعات ومراكز توزيع تُستخدم في نقل البضائع عبر الحدود الإيرانية، بهدف تضييق نطاق التجارة المتاحة لطهران.
ازدحام المعابر يرفع كلفة النقل
رغم استمرار عمل معابر أخرى على طول الحدود الإيرانية، فإن إغلاق بعض المسارات يزيد الضغط على الطرق المتبقية، التي تواجه صعوبات في استيعاب حركة البضائع وتعويض النقص في قدرات الشحن البحري.
وأدى ذلك إلى تكدس الشاحنات وتأخر وصول السلع، في وقت ترتفع فيه تكاليف النقل وتواجه فيه الأسر الإيرانية ضغوطاً معيشية متزايدة.
وذكر اتحاد جمعيات سائقي ومشغلي الشاحنات في إيران أن مئات السائقين ينتظرون عند المعابر مع باكستان، مشيراً إلى أن بعضهم اضطر إلى التخلي عن شحنات من الفاكهة والمنتجات الزراعية بعد تلفها نتيجة التأخير.
كما أفادت تقارير إيرانية ببقاء أكثر من 4500 طن من الغاز الطبيعي المسال عالقة على الجانب الإيراني من الحدود الباكستانية بسبب إغلاق المعابر، ما يضيف عقبة جديدة أمام حركة صادرات الطاقة.
وفي سياق متصل، قال إحسان ملك زاده، رئيس رابطة شركات النقل الدولية الإيرانية، إن نحو 17 ألف شاحنة كانت تنتظر عند حدود إيران مع تركيا وأفغانستان وأذربيجان بحلول نهاية سبتمبر/أيلول، مع وصول فترات الانتظار في بعض الحالات إلى نحو 20 يوماً.
واشنطن توسّع نطاق الضغوط الاقتصادية
تسعى الإدارة الأميركية إلى تقليص قدرة إيران على استخدام شبكات النقل والتجارة للالتفاف على العقوبات، عبر استهداف المؤسسات المالية وقطاع الطيران والجهات التي تسهّل نقل البضائع.
وكانت وزارة الخزانة قد فرضت عقوبات إضافية على بنوك تتعامل مع طهران، إلى جانب إجراءات تستهدف قطاع الطيران الإيراني، في مسعى لتقييد علاقاتها التجارية مع شركاء إقليميين.
ويرى مسؤولون أميركيون سابقون معنيون بملف العقوبات أن تقليص الطرق البرية المتاحة أمام إيران قد يزيد من صعوبة استيراد المواد الخام والسلع الأساسية، ويرفع تكاليف النقل، ويؤثر في النشاط الإنتاجي والإيرادات الحكومية.
وقال مياد مالكي، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية، إن القيود البحرية دفعت التجارة الإيرانية نحو عدد محدود من الطرق البرية الأعلى كلفة، وإن إغلاق بعض هذه المسارات يزيد الازدحام ويجعل عمليات النقل أقل موثوقية.
في المقابل، اتهم مسؤولون إيرانيون الولايات المتحدة بالضغط على الدول المجاورة لتقييد التجارة مع طهران. وقال فدا حسين مالكي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إن بلاده لم تكن تتوقع أن تخضع باكستان لهذه الضغوط.
العقوبات والحصار يضغطان على الاقتصاد الإيراني
تتزامن القيود على الطرق البرية مع الحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية، الذي تقول واشنطن إنه جاء رداً على الهجمات الإيرانية في مضيق هرمز. وقد أدى الحصار، وفق التقارير، إلى اضطراب كبير في صادرات النفط وواردات السلع، بما فيها المواد الغذائية.
ورغم استثناء السلع الإنسانية من بعض القيود، تتردد شركات شحن في التعامل مع المسارات الإيرانية خشية التعرض للعقوبات أو اعتراض الشحنات. كما أشارت التقارير إلى تراجع المخزونات النفطية الإيرانية المتاحة للبيع خارج نطاق الحصار، بعد أشهر من استمرار التصدير إلى مشترين، بينهم الصين.
وتنعكس الضغوط التجارية والمالية على الأوضاع المعيشية داخل إيران. ووفق أرقام نقلتها التقارير عن مركز الإحصاء الإيراني، تراجعت القوة الشرائية للأسر بشدة خلال العام الماضي، فيما سجلت أسعار المواد الغذائية ارتفاعات كبيرة، بالتزامن مع انخفاض جديد في قيمة الريال أمام الدولار.
وتشير هذه التطورات إلى أن المعركة الاقتصادية لا تقتصر على تعطيل صادرات النفط أو تقييد الموانئ، بل تمتد إلى شبكات النقل والمعابر البرية التي تعتمد عليها إيران للحفاظ على تدفق السلع والبضائع.
ومع استمرار القيود الأميركية وإغلاق بعض المسارات الحدودية، تواجه طهران تحدياً متزايداً في إيجاد طرق بديلة للتجارة، بينما يبقى حجم التأثير المستقبلي لهذه الإجراءات مرتبطاً بمدى استمرارها وقدرة إيران وجيرانها على التوصل إلى ترتيبات تسمح باستئناف حركة النقل.




