أخبــارتقاريرهيدلاينز

مشروع كاسندرا.. كيف تعمل ماكينات حزب الله السرية؟

تكشف تقارير وتحليلات أمنية عن شبكة معقدة من الأنشطة المالية والتجارية التي يُشتبه في ارتباطها بحزب الله في عدد من دول غرب أفريقيا، ضمن ما يُعرف باسم مشروع «كاسندرا». وتشير هذه المعطيات إلى تداخل مزعوم بين غسل الأموال والتهريب واستغلال واجهات تجارية، إلى جانب علاقات مع شخصيات نافذة في الأوساط السياسية والاقتصادية المحلية.

وتسلط التحقيقات الضوء على استخدام شركات وأنشطة تبدو مشروعة لتسهيل حركة الأموال عبر الحدود، في منطقة تواجه تحديات تتعلق بالفساد وضعف الرقابة المالية. ووفقاً للتقارير، أسهمت هذه الشبكات في بناء منظومة من المصالح المتبادلة بين رجال أعمال ووسطاء وشخصيات سياسية، بما أتاح نقل الأموال وإخفاء مصادرها الحقيقية.

واجهات تجارية وشبكات نفوذ

تتضمن الملفات أسماء رجال أعمال لبنانيين عملوا في قطاعات مختلفة، من تجارة الألماس والأعمال الفنية إلى المواد الغذائية والاستيراد والتصدير. وتتهم تقارير أمريكية بعض هذه الشخصيات باستخدام أنشطة تجارية وشركات متعددة لإخفاء حركة الأموال وتحويلها عبر دول أفريقية وصولاً إلى لبنان.

ومن بين الحالات التي تناولتها التحقيقات رجل أعمال نشط في تجارة الألماس والفنون التشكيلية في ساحل العاج، يُشتبه في إدارته شبكة لغسل الأموال من خلال التعاملات التجارية في الأصول مرتفعة القيمة. كما تناولت الملفات رجل أعمال آخر بنى مصالح تجارية في عدد من الدول الأفريقية، واتهمته السلطات الأمريكية بتقديم الدعم المالي لحزب الله عبر شركات وواجهات تجارية.

وفرضت السلطات الأمريكية عقوبات وإجراءات قانونية على شخصيات وشركات وردت أسماؤها في هذه الملفات، في إطار مساعيها لتعقب مصادر التمويل وشبكات تحويل الأموال المرتبطة بالحزب.

استغلال المناصب والعلاقات السياسية

وتشير التقارير إلى أن بعض الشبكات اعتمدت على علاقات مع مسؤولين وشخصيات ذات نفوذ لتسهيل أعمالها، بما في ذلك استخدام الصلات الدبلوماسية والتجارية لإقامة قنوات اتصال مع جهات حكومية وتجاوز إجراءات الرقابة، وفقاً للاتهامات الواردة في الملفات الأمنية.

كما تتناول التحقيقات أنشطة تجارية في قطاع الوقود بدول غرب أفريقيا، حيث يُشتبه في استغلال النفوذ السياسي والسيطرة على بعض الواردات لتوليد أرباح يمكن توجيه جزء منها إلى شبكات مالية خارجية.

وبحسب هذه المعطيات، لا تعمل الشبكات بصورة منفصلة، بل عبر منظومة من العلاقات المتداخلة التي تجمع بين المصالح التجارية والوساطة المالية والصلات السياسية، ما يجعل تتبع الأموال وتحديد المستفيدين النهائيين مهمة معقدة.

نموذج مالي يعبر الحدود

تصف التقارير نموذجاً اقتصادياً يعتمد على تحويل عائدات أنشطة غير قانونية، من بينها تجارة المخدرات، إلى سلع استهلاكية وسيارات يجري تداولها أو تصديرها داخل القارة. وبعد ذلك، تتحول العائدات إلى أموال نقدية يمكن نقلها عبر الحدود أو تحويلها من خلال شبكات الحوالات.

ويُشتبه في أن هذا الأسلوب يتيح إخفاء المصدر الأصلي للأموال ودمجها في معاملات تجارية تبدو قانونية، بما يصعّب على السلطات المالية تعقب مسارها. كما يمكن أن يؤدي انتشار هذه الممارسات إلى الإضرار بالشركات التي تعمل وفق القواعد القانونية، وإضعاف قدرة الحكومات على ضبط الأسواق وجمع الإيرادات.

لماذا سُمّي «مشروع كاسندرا»؟

استُخدمت تسمية «كاسندرا» للإشارة إلى تحقيقات ركزت على شبكات التمويل والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بحزب الله. ويعود الاسم إلى شخصية كاساندرا في الأساطير الإغريقية، التي ارتبطت بمعرفة ما سيحدث من كوارث من دون أن يصدقها الآخرون.

وتعكس التسمية، وفق التفسيرات المتداولة، فكرة التحذيرات المبكرة من شبكات مالية توسعت خلف واجهات تجارية، في وقت انصب فيه جانب كبير من الاهتمام الأمني على النشاط العسكري المباشر. وتركز هذه المقاربة على المخاطر التي قد تنشأ عندما تتغلغل الأموال غير المشروعة في قطاعات الاقتصاد المحلي وتستفيد من الثغرات الرقابية.

مؤشرات مالية وتساؤلات حول حجم الشبكات

تتضمن الملفات المرتبطة بالمشروع اتهامات بغسل مبالغ ضخمة عبر مؤسسات وشركات، من بينها قضية مصرف لبناني خضع للتحقيق بسبب شبهات تتعلق بتسهيل معاملات مالية مرتبطة بحزب الله. كما تشير تقارير إلى تحويل مئات الملايين من الدولارات عبر شبكات شركات معقدة خلال أعوام مختلفة.

وتبقى الأرقام الواردة في هذه الملفات مرتبطة بالتقديرات والتحقيقات التي استندت إليها، ولا تعني بالضرورة ثبوت جميع الاتهامات بحق كل الأطراف المذكورة. ويستدعي تقييم حجم هذه الأنشطة التمييز بين ما أعلنته السلطات من نتائج قانونية، وما ورد في التقارير الأمنية والتحليلات بشأن شبكات أوسع.

تداعيات تتجاوز القطاع المالي

ولا تقتصر المخاطر المحتملة لهذه الأنشطة على حركة الأموال، إذ يمكن لشبكات التهريب والفساد أن تضعف المنافسة التجارية وتقلص الموارد العامة وتحد من قدرة المؤسسات الرسمية على فرض القوانين. كما أن تراجع الثقة بالجهات الحكومية قد يفاقم هشاشة الاقتصادات المحلية، خصوصاً في الدول التي تعاني أصلاً من ضعف الرقابة وانتشار الرشوة.

وتحذر تحليلات أمنية من أن هذه البيئة قد تهيئ ظروفاً تستفيد منها جماعات مسلحة ومتطرفة في منطقة الساحل الأفريقي، مع تراجع الثقة بالمؤسسات واتساع الاقتصاد غير الرسمي.

ويضع مشروع «كاسندرا» بذلك ملف التمويل غير المشروع في صلب النقاش بشأن الأمن والاستقرار في غرب أفريقيا، إذ تتجاوز القضية، وفق ما تطرحه التحقيقات، حدود تعقب الأموال لتشمل تأثير شبكات المصالح العابرة للحدود في الاقتصاد المحلي وقدرة الدول على حماية مؤسساتها وأسواقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى