نبضات وآراءنبضاتهمهيدلاينز

حرب أفغانستان.. ربع قرن انتهى بعودة طالبان إلى الحكم

بعد ربع قرن على بدء التدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان، تعود إلى الواجهة حصيلة واحدة من أطول الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة خارج حدودها. حرب بدأت تحت شعار القضاء على الإرهاب، واستمرت نحو عشرين عاما، قبل أن تنتهي بانسحاب القوات الأمريكية وعودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021.

في السابع من أكتوبر عام 2001، أطلقت الولايات المتحدة، بمشاركة بريطانيا، عملية «الحرية الدائمة»، مستهدفة مواقع لتنظيم القاعدة وحركة طالبان في أفغانستان. وجاء التدخل بعد أقل من شهر على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، التي أسفرت عن مقتل نحو ثلاثة آلاف شخص في الولايات المتحدة.

واتهمت واشنطن تنظيم القاعدة، بقيادة أسامة بن لادن، بالمسؤولية عن الهجمات، وطالبت حركة طالبان، التي كانت تحكم أفغانستان آنذاك، بتسليم قادة التنظيم. ومع عدم الاستجابة للمطالب الأمريكية، بدأت العمليات العسكرية التي أدت لاحقا إلى إسقاط حكومة طالبان.

لكن المهمة التي بدأت بملاحقة تنظيم القاعدة تحولت تدريجيا إلى مشروع واسع لإعادة بناء الدولة الأفغانية، شمل إنشاء مؤسسات حكومية وجيش وشرطة، بدعم مالي وعسكري غربي استمر عقدين.

كلفة بشرية واتهامات بجرائم حرب
خلفت الحرب خسائر بشرية كبيرة بين المدنيين والعسكريين، وأثارت العمليات الأمريكية وحلفائها انتقادات واسعة بسبب سقوط ضحايا مدنيين، فضلا عن تقارير موثقة عن انتهاكات ارتكبت بحق المعتقلين والسكان المحليين.

ومن أبرز الحوادث مجزرة قندهار في مارس 2012، عندما قتل الجندي الأمريكي روبرت بيلز 16 مدنيا أفغانيا، بينهم نساء وأطفال. وأدين لاحقا وحكم عليه بالسجن المؤبد.

كما أثارت ممارسات الاحتجاز والاستجواب في قاعدة باغرام الجوية انتقادات حقوقية، في ظل تقارير عن التعذيب وسوء معاملة السجناء.

وبحسب مشروع «تكاليف الحرب» التابع لجامعة براون الأمريكية، قُتل نحو 46 ألف مدني أفغاني خلال الحرب بين عامي 2001 و2021، نتيجة أعمال العنف المرتبطة بالصراع بمختلف أطرافه، وليس بفعل العمليات الأمريكية وحدها.

وامتدت الخسائر إلى القوات الأفغانية، إذ قُتل عشرات الآلاف من أفراد الجيش والشرطة خلال المواجهات مع حركة طالبان والجماعات المسلحة الأخرى.

مليارات الدولارات دون استقرار دائم
أنفقت الولايات المتحدة مبالغ ضخمة على العمليات العسكرية وإعادة الإعمار وتدريب القوات الأفغانية. ورغم إنشاء مؤسسات أمنية وإدارية جديدة، ظلت الدولة تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل والمساندة العسكرية الخارجية.

وكشفت تقارير المفتش العام الأمريكي الخاص بإعادة إعمار أفغانستان عن مشكلات واسعة شملت الفساد وضعف الرقابة وسوء إدارة المساعدات، إلى جانب إخفاقات في بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار دون الدعم الأمريكي.

وفي المقابل، أعادت طالبان تنظيم صفوفها بعد سقوط حكمها عام 2001، وانتقلت إلى حرب استنزاف طويلة ضد القوات الأجنبية والحكومة الأفغانية المدعومة من واشنطن.

ومع بدء الانسحاب الأمريكي النهائي عام 2021، انهارت القوات الحكومية بوتيرة سريعة، ودخلت طالبان العاصمة كابول في الخامس عشر من أغسطس، قبل اكتمال انسحاب آخر القوات الأمريكية في الحادي والثلاثين من الشهر نفسه.

مشاهد الانسحاب ونهاية الحرب
تحولت عملية الإجلاء من مطار كابول إلى واحدة من أبرز صور نهاية التدخل الأمريكي. فقد تجمع آلاف الأفغان حول المطار في محاولة لمغادرة البلاد، وسط مخاوف من عودة طالبان إلى الحكم.

وأظهرت مشاهد مصورة أشخاصا يتعلقون بطائرة نقل عسكرية أمريكية أثناء تحركها، فيما سقط آخرون من الطائرة بعد إقلاعها، في مشاهد أثارت صدمة دولية.

وبالتزامن مع عمليات الإجلاء، تُركت معدات عسكرية أمريكية الصنع كانت بحوزة القوات الحكومية الأفغانية، واستولت طالبان على جزء منها بعد انهيار تلك القوات.

وبذلك انتهى الوجود العسكري الأمريكي المباشر في أفغانستان، دون تحقيق هدف إقامة دولة أفغانية مستقرة وقادرة على مواجهة طالبان بصورة مستدامة.

بعد 25 عاما.. ماذا بقي من أهداف التدخل الأمريكي؟
تكشف الذكرى الخامسة والعشرون للغزو الأمريكي عن مفارقة سياسية وعسكرية. فالحركة التي أطاحت بها واشنطن من الحكم عام 2001 عادت إلى السلطة بعد عشرين عاما، بينما انتهى المشروع الأمريكي لإعادة بناء الدولة الأفغانية بانهيار الحكومة والجيش اللذين أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات على دعمهما.

وتشير تقديرات مشروع «تكاليف الحرب» بجامعة براون إلى أن كلفة الحرب في أفغانستان وباكستان تجاوزت 2.3 تريليون دولار، فيما وثقت تقارير الرقابة الأمريكية إخفاقات في التخطيط والإنفاق وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار.

ورغم أن التدخل الأمريكي ساهم في إضعاف تنظيم القاعدة وإسقاط حكم طالبان في مرحلته الأولى، فإن نتائجه بعيدة المدى تثير تساؤلات بشأن جدوى الاعتماد على القوة العسكرية لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية.

وبعد خمسة وعشرين عاما على انطلاق عملية «الحرية الدائمة»، تبقى النتيجة الأبرز أن الولايات المتحدة غادرت أفغانستان، بينما عادت طالبان إلى حكم البلاد، لتصبح حصيلة الحرب وتكاليفها البشرية والمالية جزءا من النقاش المستمر حول السياسة الخارجية الأمريكية.

تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى