“المد الشيعي التقدمي” في تونس.. شعار غامض يفتح باب الجدل

أثار تداول شعار يحمل عبارة «المد الشيعي التقدمي في تونس» على مواقع التواصل الاجتماعي سجالاً بشأن الحضور الشيعي في البلاد، وحدود انتشار المذهب، وما يُثار حول ارتباط بعض الأنشطة الاجتماعية والخيرية بالترويج لتوجهات مذهبية.
وترافقت موجة التفاعل مع تحذيرات من استغلال المساعدات الاجتماعية لأغراض دعوية، مقابل أصوات شككت في خطورة ما جرى تداوله، معتبرة أن طرح القضية بهذه الطريقة قد يسهم في تأجيج الانقسامات الطائفية والسياسية.
وامتد الجدل من دلالات الشعار إلى التساؤل عن طبيعة الأنشطة المنسوبة إلى جهات ذات مرجعية شيعية، ودور السلطات في التعامل معها، وسط تباين واضح في مواقف ناشطين وشخصيات سياسية ومدنية.
اتهامات باستغلال العمل الخيري
انتقد ناشطون ما اعتبروه توظيفاً للمساعدات الاجتماعية في الترويج للمذهب الشيعي، مستشهدين بواقعة في مدينة طبلبة بمحافظة المنستير الساحلية.
وتتعلق الواقعة، وفق رواية متداولة، بطفل يتيم كان يعمل في بيع السمك قبل أن يفقد دراجته النارية التي يعتمد عليها في كسب رزقه. وبحسب الرواية نفسها، تدخل شخص لمساعدته عبر توفير محل لبيع السمك، غير أن واجهة المحل حملت عبارة «أسماك أهل البيت».
وربط ناشطون بين هذه الواقعة والشعار المتداول، معتبرين أن الجمع بين تقديم المساعدة الاجتماعية واستخدام عبارات ذات دلالات مذهبية يثير تساؤلات بشأن أهداف بعض المبادرات الخيرية.
كما أُثير الجدل بشأن مركب صيد قيل إنه يحمل اسم «قاسم سليماني»، في إشارة إلى القائد السابق لفيلق القدس الإيراني، وهو ما أضاف بُعداً سياسياً إلى النقاش المتعلق بمدى ارتباط هذه الأنشطة بنفوذ خارجي.
وفي سياق متصل، اتهمت أصوات على مواقع التواصل الاجتماعي السلطات بالتساهل مع ما وصفته بانتشار التشيع داخل المجتمع التونسي، الذي يغلب عليه المذهب السني. وتعكس هذه الاتهامات مخاوف لدى بعض الناشطين من تحوّل أنشطة اجتماعية أو ثقافية إلى أدوات للترويج الديني والسياسي، من دون أن تشكل المنشورات المتداولة وحدها دليلاً مستقلاً على تلك الادعاءات.
انقسام بشأن حقيقة الظاهرة
في المقابل، رفض ناشطون الطريقة التي طُرحت بها القضية، وشككوا في حجم الظاهرة وخطورتها، معتبرين أن تضخيم الحديث عن «المد الشيعي التقدمي» قد يحوّل النقاش إلى وسيلة لإثارة الفتنة.
ويعكس هذا الموقف انقساماً يتجاوز تقييم الحضور الشيعي في تونس، ليشمل طبيعة الخطاب المستخدم في تناول المسألة، ومدى استناد التحذيرات المتداولة إلى وقائع موثقة، مقابل مخاطر توظيف المخاوف الدينية في التجاذبات السياسية.
واختار ناشطون آخرون التعامل مع العبارة بالسخرية، من خلال التلاعب بحروفها وربطها بتعليقات ساخرة بشأن الأوضاع في البلاد، في حين انتقدت أصوات مدنية الجمع بين التشيع والتقدمية، كما أثارت تساؤلات بشأن ظهور سلاح في الصورة المتداولة للشعار ودلالات ذلك.
وتكشف ردود الفعل المتباينة عن غياب موقف موحد تجاه القضية؛ فبين من يراها مؤشراً يستدعي التدقيق في طبيعة بعض الأنشطة، ومن يحذر من المبالغة في تصويرها، ومن ينتقد توظيفها في السجال السياسي، يبقى التحقق من الوقائع أساسياً للفصل بين المخاوف المعلنة والادعاءات غير المثبتة.
النفوذ الإيراني يعود إلى دائرة النقاش
لا يقتصر الجدل على الشعار المتداول، بل يأتي في سياق نقاشات سابقة في تونس بشأن حجم الحضور الشيعي، ومدى انتشار التشيع، وما يُثار حول صلات بعض الأنشطة والجمعيات ذات المرجعية الشيعية بالنفوذ الإيراني.
وعاد الملف إلى الواجهة خلال عام 2025، مع تداول مقاطع مصورة لأنشطة وشعائر ذات طابع شيعي، وتصاعد تحذيرات من شخصيات دينية وسياسية بشأن احتمال استخدام أنشطة ثقافية واجتماعية للترويج لتوجهات مذهبية أو تعزيز نفوذ خارجي.
لكن تقييم هذه المخاوف يتطلب التمييز بين ممارسة الشعائر الدينية، والعمل الاجتماعي والخيري، وأي نشاط سياسي أو خارجي يُشتبه في توظيفه لتحقيق أهداف محددة. كما أن تداول الشعارات والمقاطع المصورة لا يكفي وحده لإثبات وجود مشروع منظم أو تحديد حجم تأثيره داخل المجتمع.
ويضع الجدل السلطات التونسية أمام أسئلة تتعلق بكيفية التعامل مع الأنشطة الدينية والاجتماعية، وضمان تطبيق القانون على الجميع، مع تجنب تحويل الاختلاف المذهبي إلى سبب للتحريض أو التضييق.
وفي ظل استمرار التفاعل مع شعار «المد الشيعي التقدمي»، يبقى النقاش مفتوحاً بين مخاوف من توظيف الدين في صراعات النفوذ، وتحذيرات من تضخيم الظاهرة وإثارة الانقسام الطائفي، في انتظار معطيات موثوقة تحدد طبيعة الأنشطة المثارة وحجمها الفعلي.




