السودان في حسابات إسرائيل.. تقارب يثير التساؤلات حول “الدعم السريع”

أثارت خريطة للتحالفات الإقليمية عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جدلاً بشأن موقف إسرائيل من الحرب الأهلية في السودان، بعدما أظهرت قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروفة باسم «حميدتي»، ضمن القوى المصنفة في دائرة الصداقة مع إسرائيل والإمارات، في مؤشر اعتُبر تحولًا لافتًا في التعاطي الإسرائيلي مع طرفي الصراع السوداني.
وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، عُرضت الخريطة مطلع الأسبوع خلال تقديم نتنياهو تصوره للأمن القومي، وأظهرت تصنيف قوات الدعم السريع، التي تقاتل الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، ضمن القوى الصديقة لإسرائيل والإمارات، في حين أدرجت المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني ضمن دائرة الدول التي وضعتها الخريطة تحت مسمى «الماس السني»، وتضم السعودية وتركيا وباكستان ومصر.
ولم يصدر إعلان سياسي رسمي يوضح دلالات هذا التصنيف، إلا أن ظهور الخريطة أثار تساؤلات بشأن الحسابات الإسرائيلية في السودان، خصوصًا في ظل العلاقات التي سعت إسرائيل إلى بنائها مع الخرطوم خلال السنوات الماضية.
وبعد نشر التقرير المتعلق بالخريطة، حوّل مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي مقطع الفيديو الذي ظهرت فيه خلال المؤتمر الصحافي إلى مقطع خاص غير متاح للمشاهدة، فيما لم يصدر تعليق رسمي إسرائيلي على المسألة رغم طلبات الحصول على توضيح.
خريطة التحالفات تثير غضب معسكر البرهان
أثار التصنيف الوارد في الخريطة استياءً في أوساط مقربة من قيادة الجيش السوداني، إذ اعتبر أبو القاسم برطم، العضو السابق في مجلس السيادة السوداني والمقرب من سلطة البرهان، أن إظهار الدعم الإسرائيلي لقوات الدعم السريع من شأنه الإضرار بمكانة إسرائيل داخل السودان وتعميق الفجوة بينها وبين القيادة العسكرية السودانية.
وقال برطم إن هذا الموقف قد يدفع البرهان إلى التقارب مع أطراف إقليمية تُعد خصومًا لإسرائيل، من بينها إيران وتركيا، محذرًا من أن انعكاساته قد تطال أيضًا الأطراف السودانية التي لا تزال تؤيد إقامة علاقات مع إسرائيل.
وأضاف أن دعم قوات الدعم السريع يواجه رفضًا في الشارع السوداني، في ظل الاتهامات الموجهة إليها بارتكاب انتهاكات واسعة خلال الحرب المستمرة في البلاد.
وتأتي هذه التطورات رغم الاتهامات الخطيرة التي طالت قادة قوات الدعم السريع بشأن ارتكاب إبادة جماعية في إقليم دارفور، إلى جانب تقارير عن مجازر وانتهاكات خلال الحرب الحالية. وفي المقابل، وُجهت اتهامات إلى طرفي الصراع بارتكاب انتهاكات، كما واجه الجيش السوداني اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية ضد قوات الدعم السريع.
من مسار التطبيع إلى الحرب المفتوحة
تعود خلفية العلاقات بين إسرائيل والسودان إلى مسار التطبيع الذي انطلق في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عندما انضمت الإمارات والبحرين إلى اتفاقات أبراهام، قبل أن تضغط الإدارة الأمريكية باتجاه إدراج السودان ضمن المسار نفسه.
وفي إطار تلك الخطوات، أُزيل السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، وحصل على مزايا اقتصادية، فيما اتجهت الخرطوم إلى بحث إقامة علاقات مع إسرائيل، وإن لم تستكمل مسيرة التطبيع اتفاقًا شاملًا.
لكن المشهد السوداني تغير بصورة جذرية بعد اندلاع الصراع بين البرهان ونائبه السابق محمد حمدان دقلو قبل أكثر من ثلاث سنوات، إذ تحولت الخلافات بين الطرفين إلى حرب واسعة ألحقت أضرارًا كبيرة بالبلاد، وتسببت في أزمة إنسانية متفاقمة، من دون أن تلوح تسوية نهائية في الأفق.
وبحسب تقارير أجنبية، حافظت إسرائيل خلال الحرب على قنوات اتصال مع طرفي الصراع، ما يجعل التصنيف الذي ظهر في خريطة نتنياهو موضع اهتمام، خصوصًا إذا كان يعكس تحولًا في تقديرات إسرائيل بشأن القوى التي يمكن أن تتعامل معها في السودان.
تداعيات إقليمية محتملة
لا يقتصر تأثير الخريطة على العلاقات بين إسرائيل والأطراف السودانية، بل يمتد إلى حسابات النفوذ الإقليمي، في ظل تشابك المصالح والتحالفات في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ويرى مقربون من معسكر البرهان أن إظهار قوات الدعم السريع ضمن دائرة القوى الصديقة لإسرائيل قد يضعف فرص التقارب بين الخرطوم وتل أبيب، ويمنح خصوم إسرائيل الإقليميين فرصة لتعزيز حضورهم في السودان.
ومع ذلك، لا يكفي تصنيف ورد في خريطة سياسية وحده لإثبات وجود تحالف رسمي أو دعم عسكري مباشر لقوات الدعم السريع، في ظل غياب توضيح إسرائيلي رسمي بشأن المقصود من هذا التصنيف.
لكن الخطوة، بصرف النظر عن دلالاتها النهائية، تفتح بابًا جديدًا للتساؤلات بشأن مستقبل العلاقات الإسرائيلية السودانية، وما إذا كانت حسابات إسرائيل في مرحلة ما بعد الحرب ستتجه نحو إعادة بناء علاقاتها مع مؤسسات الدولة السودانية، أم ستتأثر بتوازنات القوى التي أفرزها الصراع المستمر.




