السلاح مقابل المناصب؟ الزيدي يفتح مساراً مباشراً مع الفصائل العراقية

تتصاعد الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» في العراق بشأن إدارة ملف الفصائل المسلحة، في ظل تفاهمات يجريها رئيس الوزراء علي فالح الزيدي مباشرة مع عدد من هذه الفصائل، تتناول التخلي التدريجي عن السلاح مقابل ترتيبات سياسية وإدارية، تشمل مواقع حساسة في مؤسسات الدولة.
وبحسب معلومات متداولة من مصادر سياسية، حصل الزيدي على تعهدات من خمسة فصائل بالالتزام بخطة حصر السلاح بيد الدولة، غير أن طريقة إدارة المفاوضات أثارت اعتراضات لدى أطراف في الإطار التنسيقي، ترى أن هذا الملف ينبغي أن يُدار من خلال الآليات واللجان السياسية المعتمدة داخل التحالف، لا عبر تفاهمات ثنائية يقودها رئيس الحكومة بصورة مباشرة.
ولم يعد الخلاف مقتصراً على مستقبل السلاح خارج المؤسسات الرسمية، بل امتد إلى التنافس على مناصب أمنية وإدارية عليا، في تطور يعكس تداخل مساعي ضبط السلاح مع إعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
رئاسة المخابرات في قلب التنافس
أعاد إنهاء تكليف حميد الشطري برئاسة جهاز المخابرات الوطني فتح باب المنافسة على أحد أبرز المناصب الأمنية في العراق، مع تداول اسم رئيس هيئة المنافذ الحدودية عمر عدنان الوائلي بوصفه أحد المرشحين المحتملين لتولي المنصب.
ويُنظر إلى الوائلي باعتباره شخصية إدارية وأمنية قريبة من الزيدي، وتحظى بقبول لدى بعض الأطراف داخل الإطار التنسيقي، من دون ارتباط تنظيمي مباشر بالفصائل المسلحة، وفق المعلومات المتداولة.
لكن طرح اسمه لا ينفصل عن حسابات التوازنات السياسية والأمنية، إذ تتحفظ قوى مختلفة على تداعيات التعيين المحتمل وانعكاساته على توزيع النفوذ داخل المؤسسات، فضلاً عن حساسية العلاقات مع الولايات المتحدة. ولا توجد، وفق المعلومات المتاحة، معارضة أميركية رسمية معلنة للوائلي شخصياً.
وفي إطار البحث عن تسوية، طُرحت صيغة تقضي بإسناد رئاسة الجهاز إلى مرشح من حزب «تقدم»، بزعامة محمد الحلبوسي، بما يتيح الحفاظ على التوازنات القائمة بين القوى السياسية. غير أن مصير هذه الطروحات يظل مرتبطاً بالتوافقات التي ستتبلور داخل المعسكر السياسي.
الأمانة العامة لمجلس الوزراء على طاولة المساومات
امتد التنافس إلى منصب الأمين العام لمجلس الوزراء، الذي يشغله حميد الغزي، وسط مساعٍ من قوى مرتبطة بالفصائل للحصول على مواقع تتيح لها حضوراً مؤثراً في إدارة العمل الحكومي ومتابعة القرارات التنفيذية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن تحركات الزيدي في الأجهزة الأمنية والمكاتب الحكومية لا تتصل بالتعيينات الفردية وحدها، بل تشمل أيضاً محاولة تشكيل فريق إداري أكثر انسجاماً مع توجهات حكومته، وإعادة النظر في بعض الترتيبات التي استقرت خلال الحكومات السابقة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع إعادة تفعيل مكتب القائد العام للقوات المسلحة، وهي خطوة أثارت نقاشاً سياسياً بشأن حدود الصلاحيات التنفيذية وآليات توزيع المسؤوليات داخل مؤسسات الدولة.
وتكشف هذه الملفات عن صعوبة الفصل بين مسألة حصر السلاح والمنافسة على المناصب، إذ تسعى بعض القوى إلى ضمان حضورها داخل مؤسسات الدولة، في وقت تحاول فيه الحكومة دفع الفصائل نحو إنهاء نشاطها العسكري المستقل.
خمسة فصائل وتعهدات بالتخلي التدريجي عن السلاح
تتضمن التفاهمات المطروحة مع خمسة فصائل، وفق المعلومات المتداولة، الامتناع عن تنفيذ عمليات عسكرية خارج سلطة الدولة، على أن تتبع ذلك مراحل لتسليم الأسلحة وإعادة تنظيم أوضاع المقاتلين ضمن المؤسسات الرسمية.
وفي المقابل، تشمل المفاوضات مطالب تتعلق بالضمانات الأمنية وترتيبات دمج العناصر، إلى جانب السعي للحصول على مواقع سياسية وإدارية. وتندرج هذه الخطوات ضمن الخطة الحكومية المعلنة لإنهاء وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة بحلول 30 حزيران 2027.
لكن تنفيذ هذه التفاهمات لا يزال يواجه عقبات، من بينها رفض كتائب حزب الله وحركة النجباء التخلي عن ترسانتيهما، فضلاً عن الخلافات بشأن الضمانات وآليات التطبيق والجهة التي ستشرف على العملية.
ويثير هذا المسار تساؤلات حول طبيعة المقابل السياسي والإداري الذي قد تحصل عليه الفصائل المستجيبة، وما إذا كان انتقالها إلى العمل المؤسسي سيقترن فعلياً بإنهاء استقلالها العسكري، أم سيؤدي إلى إعادة إنتاج نفوذها داخل أجهزة الدولة بصيغ جديدة.
فنجاح خطة حصر السلاح لا يتوقف على إعلان التعهدات، بل يتطلب آليات واضحة للتحقق من تنفيذها، وضمان خضوع التشكيلات المسلحة للقيادة الرسمية، ومنع تداخل الولاءات السياسية مع عمل المؤسسات الأمنية.
خلافات داخل «الإطار التنسيقي»
أثارت إدارة الزيدي للمفاوضات اعتراضات لدى أطراف داخل الإطار التنسيقي، تتمسك بضرورة إخضاع التفاهمات الأمنية والتعيينات الحساسة للتشاور بين قيادات التحالف واللجان المكلفة بمتابعة هذه الملفات.
وتخشى هذه القوى أن تمنح الاتفاقات المباشرة رئيس الوزراء هامشاً أوسع لإعادة تشكيل التحالفات وتوزيع النفوذ داخل المعسكر السياسي، بعيداً عن آليات التوافق التي حكمت العلاقة بين أطرافه خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، تتباين مواقف القوى السياسية بين أطراف تدفع باتجاه تسريع إنهاء النشاط المسلح المستقل، وأخرى تفضل تسويات تحافظ على حضور الفصائل في المؤسسات السياسية والتنفيذية، بما يقلل احتمالات المواجهة الداخلية.
ويعكس هذا التباين صراعاً على آلية اتخاذ القرار بقدر ما يعكس خلافاً بشأن مستقبل السلاح؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يتخلى عنه، بل أيضاً بالجهة التي تدير العملية، وبكيفية توزيع النفوذ بعد تنفيذها.
حصر السلاح أم إعادة توزيع النفوذ؟
تضع هذه التطورات حكومة الزيدي أمام معادلة معقدة، تتمثل في دفع الفصائل نحو التخلي عن السلاح من دون تحويل المناصب الحكومية إلى تعويض دائم عن نفوذها العسكري.
فإذا اقترنت التنازلات الأمنية بمكاسب سياسية وإدارية، فقد يسهم ذلك في تسهيل التفاهمات على المدى القصير، لكنه قد يثير في المقابل تساؤلات بشأن مدى استقلال المؤسسات الرسمية عن القوى التي كانت تمتلك أجنحة مسلحة.
كما أن انتقال المقاتلين إلى مؤسسات الدولة لا يكفي وحده لضمان إنهاء النفوذ المسلح المستقل، ما لم يترافق مع تغيير فعلي في آليات القيادة والمساءلة، والتزام واضح بالقانون وبقرارات المؤسسات الأمنية الرسمية.
وفي المحصلة، يرتبط نجاح الزيدي بقدرته على بناء توافق سياسي يسمح بتنفيذ خطة حصر السلاح، مع الحفاظ على استقلال مؤسسات الدولة ومنع تحول التعيينات والمناصب إلى أدوات لتثبيت موازين القوى القائمة. وستظل نتائج هذا المسار مرهونة بمدى التزام الفصائل بالتعهدات، وقدرة الحكومة على إدارة الخلافات داخل الإطار التنسيقي من دون تعطيل الإصلاحات الأمنية أو نقل الصراع على النفوذ إلى داخل مؤسسات الدولة.




