أخبــاربلاد المهجر

من المدارس إلى الشوارع.. هل يفقد ماكرون السيطرة على الغضب الفرنسي؟

اتسعت رقعة الاحتجاجات في فرنسا، من المدارس إلى ساحات المدن ومقار البلديات، في مشهد وضع الحكومة أمام اختبار صعب لاحتواء الغضب الشعبي. وبين مطالب تتعلق بالتعليم وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، وأعمال تخريب وصدامات مع الشرطة، تتزايد التساؤلات بشأن قدرة السلطات على احتواء الأزمة وتداعياتها السياسية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027.

وتجاوزت الاحتجاجات مطالبها المعيشية المباشرة في بعض المناطق، بعدما شهدت مدن عدة اعتداءات على مبانٍ عامة ومرافق خدمية، ما فتح نقاشاً حول التمييز بين المتظاهرين السلميين والمتورطين في أعمال العنف، ومدى تأثير هذه الأحداث على المشهد السياسي الفرنسي.

احتجاجات واسعة وأضرار في المدن

قدّرت وزارة الداخلية الفرنسية عدد المشاركين في الاحتجاجات بأكثر من 550 ألف شخص توزعوا على 110 مسيرات، في حين رفعت نقابة الاتحاد العام للعمل تقديراتها إلى نحو 800 ألف مشارك.

وشهدت مرسيليا اقتحاماً مؤقتاً لمبنى البلدية وإسقاط تمثال ماريان، رمز الجمهورية الفرنسية، قبل أن تتدخل الشرطة لإخلائه. وفي ليون، اقتُحم مكتب سياحي وأُحرق، بينما تعرض مبنى البلدية في مدينة ليموج للحريق، وأظهرت مشاهد مصورة انهيار برج الجرس وسط النيران.

وفي ليل، تحطمت أبواب ونوافذ مبنى البلدية، كما لحقت أضرار بمقر إقامة المحافظ في بوردو وبمركز للشرطة البلدية في مرسيليا.

أما في باريس، فتواصلت أعمال النهب والتخريب حتى ساعات الليل. وقال رئيس بلدية العاصمة إيمانويل غريغوار إن حجم الأضرار سيكون كبيراً، مشيراً إلى تخريب شوارع وساحات عامة ومعالم عدة.

ووصفت نائبة رئيس البلدية لمياء الأعرج ما شهدته العاصمة بأنه مستوى غير مسبوق من العنف، معتبرة أن بعض الاعتداءات استهدفت المؤسسات بصورة متعمدة، مع التأكيد على ضرورة التمييز بين المخربين والمشاركين في الاحتجاجات السلمية.

توقيفات وإصابات خلال المواجهات

أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو توقيف ما لا يقل عن 1200 شخص في مختلف أنحاء البلاد، وإصابة 150 من أفراد الشرطة والدرك. وفي باريس، بلغ عدد الموقوفين 855 شخصاً حتى صباح الأحد، وفق شرطة العاصمة، التي وصفت الرقم بأنه قياسي.

وسُجلت في العاصمة إصابات بين أفراد الشرطة والدرك ورجال الإطفاء، فيما أفادت تقارير إعلامية بوفاة أحد المتظاهرين إثر تعرضه لتوقف قلبي في شارع ماجنتا، مع استمرار التحقيقات لتحديد ملابسات الحادثة والمسؤوليات المرتبطة بأعمال العنف.

وجاءت هذه التطورات بعد أسابيع من المواجهات التي أسفرت عن إصابة مئات الأشخاص، بينهم شبان وقاصرون. وأشارت تقارير إلى أن فتى يبلغ 15 عاماً فقد يده اليسرى إثر إصابته بقنبلة صوتية، فيما أوقفت الشرطة مئات الأشخاص خلال الأحداث السابقة.

الحكومة والمعارضة تتبادلان الاتهامات

حمّل لوكورنو مجموعات وصفها بأنها تنتمي إلى اليسار المتطرف مسؤولية أعمال العنف، معتبراً أنها تسعى إلى استغلال الاضطرابات في سياق الاستعداد للانتخابات الرئاسية. وأشاد بأداء الشرطة، مؤكداً أن الحكومة لن تسمح بفرض أجندات سياسية باستخدام العنف.

من جانبه، قال وزير الداخلية لوران نونييز إن بعض المشاركين في أعمال الشغب تحولوا إلى نهب المتاجر في عدد من المدن، واصفاً إياهم بالانتهازيين. وأقرت الحكومة بمشروعية بعض المطالب الطلابية، لكنها أدانت أعمال التخريب واتهمت حزب فرنسا الأبية بالمساهمة في تأجيج الاحتجاجات، وهو اتهام نفاه الحزب.

ورد زعيم الحزب جان لوك ميلونشون بنشر صور لمسيرات وصفها بالسلمية، متهماً السلطات باستخدام الغاز المسيل للدموع بكثافة ضد المتظاهرين في باريس. واعتبر أن المواجهة قد تكون جزءاً من نهج حكومي للحفاظ على النظام.

أما الرئيس إيمانويل ماكرون، فشدد على رفض العنف، وتعهد بملاحقة المتورطين في التخريب ومحاسبتهم، مؤكداً أن حماية مؤسسات الجمهورية وحق المواطنين في التعبير السلمي يجب أن يسيرا جنباً إلى جنب.

ضغوط اقتصادية وسياسية على ماكرون

تضع الاحتجاجات المتصاعدة ماكرون أمام تحدٍ جديد، في وقت تواجه فيه فرنسا ضغوطاً مالية وتوتراً سياسياً يحدّان من هامش تحرك الحكومة. ويرى محللون أن مشاهد التخريب والاعتداء على المرافق العامة تزيد الضغوط على الرئاسة، وقد تدفع المطالب المرتبطة بغلاء المعيشة والخدمات إلى التراجع في صدارة النقاش العام لصالح ملف الأمن والنظام.

وتعيد التطورات إلى الأذهان احتجاجات «السترات الصفراء»، التي كشفت عن مستويات واسعة من الاستياء الاجتماعي، كما تجدد النقاش حول حصيلة سنوات ماكرون في السلطة، ولا سيما مع ارتفاع الدين العام الفرنسي من نحو 2.2 تريليون يورو عام 2017 إلى قرابة 3.6 تريليون يورو.

وفي الشارع، تباينت المواقف بشأن مسار الاحتجاجات. فقد وصفت نائبة رئيس بلدية ليل شارلوت برون الاعتداء على المباني العامة بأنه يتناقض مع مطالب المحتجين بشأن غلاء المعيشة، مؤكدة أن البلدية تمثل مساحة مشتركة لجميع المواطنين.

في المقابل، قالت المصورة سولين ميلون، التي شاركت في مسيرة بباريس، إن الأجواء التي عايشتها اتسمت بالغناء والرقص، وإن المخربين لا يمثلون سوى أقلية من المشاركين. ورأت إستيل غرانديدييه أن الحركة تجمع مطالب متعددة من دون اتجاه موحد، متسائلة عن الخطوات التي يمكن أن تتبع الاحتجاجات.

وطلب رؤساء بلديات باريس ومرسيليا وليون عقد لقاء مع رئيس الوزراء لمناقشة الأضرار وتسلسل الأحداث، داعين إلى إجراء تقييم واضح وشفاف لما جرى، ومنع تكرار الاعتداءات على المؤسسات العامة.

توظيف سياسي خارجي ومعلومات مضللة

امتدت أصداء الاحتجاجات إلى خارج فرنسا، إذ ربط نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس أعمال العنف بقضية الهجرة، فيما أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليقاً ساخراً دعا فيه إلى الذهاب إلى فرنسا والمشاركة في «الثورة».

وفي سياق متصل، ظهرت مواد دعائية ومعلومات مضللة استغلت الأحداث لتصوير ماكرون على أنه يفقد السيطرة على البلاد. وشملت هذه المواد مقطع فيديو مفبركاً يحمل شعار صحيفة فرنسية ويزعم أن غالبية الفرنسيين يفضلون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرشحاً للرئاسة.

كما رُصدت منشورات مزيفة نسبت إلى حملة تضليل تُعرف باسم «ماتريوشكا»، تضمنت ادعاءات كاذبة بشأن مقتل عشرات المعلمين. لكن الأدلة المنشورة لا تثبت أن الكرملين يدير الاحتجاجات نفسها، التي انطلقت من مطالب مدرسية واجتماعية داخلية.

وبين تمسك الحكومة باستعادة النظام وإصرار المحتجين على طرح مطالبهم، يبقى التحدي أمام ماكرون في احتواء الغضب الاجتماعي ومعالجة أسبابه، مع الحفاظ على حق التظاهر السلمي وحماية المؤسسات العامة. ومع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، قد تصبح طريقة إدارة الأزمة عاملاً مؤثراً في صورة الحكومة ومستقبل المعسكر السياسي المحسوب على الرئيس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى