طهران وواشنطن بعد الحرب.. من يملك أوراق المرحلة الجديدة؟

قد تتجاوز تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران نتائج المواجهة العسكرية المباشرة، لتفتح الباب أمام تحولات استراتيجية في الشرق الأوسط والعالم، تشمل احتمال توسع الحضور العسكري الصيني في المنطقة، واتجاه إسرائيل إلى ترسيخ نمط من العمليات العسكرية طويلة الأمد، فضلاً عن فرص تعزيز النفوذ الإيراني رغم الخسائر التي تكبدتها طهران.
وتشير تقديرات استراتيجية إلى أن نتائج الحرب قد تعيد تشكيل حسابات الأمن الإقليمي، وتدفع دول المنطقة إلى مراجعة خياراتها الدفاعية، في ظل تساؤلات بشأن حدود الحماية الأميركية وقدرة القوى الدولية على حماية مصالحها وشركائها في الخليج.
الدفاعات الجوية لا تمنع التداعيات الاقتصادية
أظهرت المواجهة، وفق تقديرات عسكرية، قدرة أنظمة الدفاع الغربية على اعتراض نسبة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، لكن تسلل بعض الهجمات كان كافياً لإلحاق أضرار وإثارة مخاوف أمنية واقتصادية في دول الخليج.
وتشير هذه التقديرات إلى أن اعتراض نحو 90% من الهجمات لا يوفر حماية كاملة، إذ قد تتسبب النسبة المتبقية في استهداف قطاعات حيوية تشمل الطاقة والتجارة والاستثمار والسياحة، بما يهدد صورة المنطقة بوصفها وجهة آمنة للأعمال.
وقد تدفع هذه المخاطر دولاً إقليمية إلى تنويع مصادر تسليحها وتقليل اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية والإسرائيلية، من خلال شراء طائرات مسيّرة تركية وتطوير قدراتها العسكرية بالتعاون مع شركات من الولايات المتحدة وإسرائيل والصين وأوكرانيا.
ولا يقتصر هذا التوجه على تنويع المعدات، بل قد يمتد إلى إعادة تقييم الشراكات الدفاعية وآليات الردع، في ضوء ما كشفته الحرب من تحديات أمام حماية المنشآت الحيوية والممرات التجارية.
الصين أمام اختبار النفوذ العسكري
كشفت الحرب، وفق هذه القراءة، حدود قدرة الصين على حماية مصالحها وشركائها في الشرق الأوسط، رغم اعتمادها الكبير على نفط الخليج واتساع تجارتها مع دول المنطقة، التي تتجاوز قيمتها 500 مليار دولار سنوياً بحسب التقديرات الواردة.
وقد تدفع هذه المعطيات بكين إلى تعزيز حضورها العسكري في الخليج وبحر العرب، مستفيدة من توسع أسطولها البحري وتطور قدراتها على تشغيل حاملات الطائرات.
ومن شأن أي توسع صيني في هذا المجال أن يضيف بعداً جديداً للمنافسة مع الولايات المتحدة في منطقة اعتمدت لعقود على الدور الأميركي في توفير المظلة الأمنية وحماية طرق الملاحة وإمدادات الطاقة.
لكن حجم هذا التحول سيبقى مرتبطاً بحسابات بكين السياسية والعسكرية، ومدى استعدادها لتحمل أعباء أمنية أكبر في منطقة تتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية.
إسرائيل واتجاه نحو المواجهات طويلة الأمد
على الجانب الإسرائيلي، تطرح التقديرات احتمال ترسيخ استراتيجية تقوم على إقامة مناطق عازلة في غزة ولبنان وسوريا، بالتوازي مع تنفيذ عمليات عسكرية متكررة لمنع خصوم إسرائيل من إعادة بناء قدراتهم.
وتقوم هذه المقاربة على إبعاد مصادر التهديد عن المناطق الإسرائيلية، ونقل جانب من المواجهة إلى مناطق خارجية، لكنها قد تتطلب انتشاراً عسكرياً مستمراً وتعبئة طويلة الأمد للموارد البشرية والاقتصادية.
وقد تترتب على هذا النهج أعباء متزايدة على الاقتصاد الإسرائيلي، بما في ذلك قطاع التكنولوجيا، فضلاً عن احتمال تعميق الخلافات مع الولايات المتحدة وزيادة الضغوط الدولية على إسرائيل.
وبذلك، قد تواجه إسرائيل معادلة معقدة بين السعي إلى تقليص التهديدات الأمنية على المدى القصير، وتكاليف استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاقها على المدى البعيد.
إيران تراهن على أوراق الضغط الإقليمي
رغم الخسائر العسكرية التي قد تتكبدها إيران، فإن الحرب قد تمنحها فرصاً لمواصلة التأثير في حسابات خصومها، خصوصاً بعدما أظهرت المواجهة أن تهديد الملاحة في مضيق هرمز واستهداف حلفاء واشنطن يمكن أن يترتبا عليهما تأثير اقتصادي ونفسي واسع.
وقد يؤدي صعود التيارات الأكثر تشدداً داخل إيران إلى تعقيد فرص التوصل إلى اتفاق نووي، خاصة إذا تعزز الاعتقاد داخل البلاد بأن امتلاك السلاح النووي يمثل ضمانة لمنع هجمات مستقبلية. غير أن هذا المسار يظل احتمالاً سياسياً، ولا يعني بالضرورة اتخاذ قرار إيراني بتطوير سلاح نووي.
كما قد يسهم الدعم الروسي والصيني في مساعدة طهران على إعادة بناء ترسانتها وتطوير قدراتها العسكرية، ما يثير تساؤلات بشأن مدى قدرة أي تسوية على الحد من التهديدات التي تواجه الملاحة في الخليج.
وفي حال انتهت الحرب من دون معالجة هذه المخاوف، فقد تحتفظ إيران بأوراق ضغط مؤثرة، حتى في ظل تراجع بعض قدراتها العسكرية، الأمر الذي قد يجعل احتواء التوتر أكثر تعقيداً.
مرحلة ما بعد الحرب تعيد ترتيب موازين القوى
لا تتوقف تداعيات الحرب المحتملة عند حدود إيران أو نتائج العمليات العسكرية، بل تمتد إلى مستقبل منظومة الأمن الإقليمي، وطبيعة المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وحسابات إسرائيل الأمنية، واتجاهات السياسة الإيرانية.
وقد تجد دول الخليج نفسها أمام ضرورة تنويع شراكاتها الدفاعية وتعزيز قدراتها الذاتية، فيما قد تسعى الصين إلى توسيع دورها لحماية مصالحها، وتواجه إسرائيل تحديات مرتبطة بكلفة المواجهات الممتدة، بينما تحاول إيران الحفاظ على نفوذها وأوراق الضغط المتاحة لها.
وتبقى هذه السيناريوهات رهناً بمآلات الحرب والقرارات التي ستتخذها الأطراف المعنية، إلا أن أحد أبرز التحديات سيكون شكل الترتيبات الأمنية والسياسية التي ستلي المواجهة، وما إذا كانت ستؤسس لاحتواء التوتر أم لمرحلة جديدة من التنافس الإقليمي والدولي.




