علوم وتكنولوجيامجتمع نبض

رقائق أقرب إلى الدماغ.. ثورة جديدة في عالم التكنولوجيا

تخيل جهازاً صغيراً قادراً على التعرف على وجه شخص خلال لحظات، وفهم الأصوات المحيطة به، واتخاذ قرارات سريعة من دون الحاجة إلى إرسال كميات ضخمة من البيانات إلى مراكز بيانات بعيدة.

واللافت أن هذا الجهاز قد يعمل باستهلاك محدود للطاقة، بفضل اعتماده على أسلوب مختلف عن الطريقة التقليدية التي تعمل بها معظم أجهزة الكمبيوتر الحالية.

هذه الفكرة تقف وراء تطور الحوسبة العصبية، التي تسعى إلى تصميم رقائق إلكترونية تستلهم بعض مبادئ طريقة عمل الدماغ البشري، بهدف تنفيذ مهام محددة بكفاءة أعلى واستهلاك أقل للطاقة.

عقل إلكتروني

تعتمد أجهزة الكمبيوتر التقليدية إلى حد كبير على الفصل بين وحدات المعالجة والذاكرة، ما يستدعي نقل البيانات باستمرار بين أجزاء مختلفة من النظام لتنفيذ العمليات الحسابية.

أما الحوسبة العصبية فتحاول تقليل هذا الفصل، عبر تصميم أنظمة تحاكي بعض الخصائص الأساسية للشبكات العصبية البيولوجية.

وتضم هذه الأنظمة وحدات إلكترونية تؤدي وظائف تشبه بصورة مبسطة دور الخلايا العصبية والمشابك بينها، بينما تعتمد بعض الرقائق على ما يعرف بـ«الشبكات العصبية النبضية»، التي تمثل المعلومات من خلال نبضات كهربائية قصيرة تعرف باسم «Spikes»، بدلاً من معالجة البيانات بصورة مستمرة.

كفاءة أعلى في استهلاك الطاقة

تعد كفاءة الطاقة من أبرز أسباب الاهتمام بالحوسبة العصبية. فالدماغ البشري قادر على تنفيذ عدد هائل من العمليات الإدراكية مع استهلاك منخفض نسبياً للطاقة، ويرتبط ذلك جزئياً بكون نشاط الخلايا العصبية لا يستمر بصورة متواصلة في جميع الأوقات.

وتحاول الرقائق العصبية الاستفادة من هذا المبدأ، إذ يمكنها تنفيذ العمليات الحسابية عند الحاجة إلى ذلك، بدلاً من معالجة جميع البيانات بشكل مستمر.

وتجعل هذه الخاصية التقنية مناسبة بشكل خاص للأجهزة التي تحتاج إلى العمل لفترات طويلة باستخدام بطاريات محدودة، مثل الروبوتات وأجهزة الاستشعار والأنظمة الذكية القابلة للحمل.

أين يمكن استخدامها؟

يمكن أن تجد الحوسبة العصبية تطبيقات واسعة في عدد من المجالات، من بينها الروبوتات المستقلة وأنظمة الرؤية الحاسوبية والتعرف على الأصوات والسيارات الذكية والطائرات المسيّرة وأجهزة إنترنت الأشياء.

كما يمكن أن تساعد في معالجة البيانات مباشرة على الجهاز، بدلاً من إرسالها باستمرار إلى خوادم سحابية، ما قد يقلل زمن الاستجابة واستهلاك الطاقة، خصوصاً في التطبيقات التي تتطلب اتخاذ قرارات فورية.

وهذا النوع من المعالجة قد يكون مهماً للأجهزة التي تعمل في بيئات لا يتوافر فيها اتصال سريع أو مستمر بالشبكات، أو التي تحتاج إلى الاستجابة للمعلومات في الوقت الحقيقي.

ليست نسخة إلكترونية من الدماغ

ورغم التطور المتسارع في هذا المجال، لا تزال هناك فجوة كبيرة بين الرقائق العصبية والدماغ البشري.

فالدماغ أكثر تعقيداً بكثير من مجرد شبكة من الوحدات الإلكترونية، إذ يعتمد على تفاعلات كهربائية وكيميائية وبيولوجية متشابكة ترتبط بعمليات التعلم والذاكرة والإدراك والوعي.

لذلك، لا تهدف الحوسبة العصبية بالضرورة إلى بناء نسخة إلكترونية مطابقة للدماغ، وإنما إلى استلهام بعض مبادئ عمله لتطوير أجهزة أكثر كفاءة في تنفيذ مهام معينة.

ومع استمرار الذكاء الاصطناعي في زيادة الطلب على قدرات المعالجة والطاقة، قد تمثل الحوسبة العصبية أحد المسارات نحو جيل جديد من الأجهزة، لا يركز فقط على زيادة سرعة المعالجة، بل يستفيد أيضاً من بعض المبادئ التي تجعل الدماغ قادراً على التعامل مع كميات هائلة من المعلومات بكفاءة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى