أخبــاربوصلة الشامنبض الساعةهيدلاينز

ما وراء عملية الصنمين؟ خيوط خلايا مسلحة في درعا

أعادت أحداث مدينة الصنمين بريف درعا ملف الخلايا المسلحة وأمن الجنوب السوري إلى الواجهة، بعد مقتل ثلاثة من عناصر قوى الأمن الداخلي وإصابة آخرين خلال عملية أمنية استهدفت القبض على أحد المطلوبين.

وبحسب المعطيات الرسمية، تحولت العملية إلى اشتباك مسلح بعدما تعرضت القوة الأمنية لإطلاق نار من مجموعة كان يقودها المطلوب، قبل أن تبدأ الأجهزة الأمنية عمليات ملاحقة للمتورطين. وأعلنت السلطات لاحقاً توقيف خمسة أشخاص وضبط أسلحة وذخائر وعبوات ومعدات قالت إنها تستخدم في تصنيع المتفجرات.

وفي تطور لاحق، أعلنت قوى الأمن الداخلي القبض على وليد الفلاح، الذي وصفته بأنه أحد أبرز متزعمي الخلية المتورطة في الهجوم، مع استمرار ملاحقة بقية المطلوبين.

وتقول السلطات السورية إن الخلية مرتبطة بتنظيم «داعش»، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة لتحديد أدوار جميع أفرادها وطبيعة ارتباطاتهم. وتعيد هذه التطورات طرح أسئلة أوسع بشأن انتشار السلاح في درعا وقدرة الخلايا الصغيرة على إعادة تنظيم صفوفها واستغلال الثغرات الأمنية.

خلايا صغيرة وسط واقع أمني معقد

يأتي ملف الصنمين في محافظة عاشت سنوات طويلة من النزاع وانتشار السلاح وتعدد التشكيلات المسلحة، وهي عوامل تركت أثراً على المشهد الأمني حتى بعد انتهاء مراحل واسعة من القتال.

وتواجه السلطات في الجنوب تحديات مرتبطة بملاحقة مجموعات مسلحة وأفراد مطلوبين، إلى جانب ضبط السلاح وتعزيز حضور مؤسسات الدولة. كما تبرز مخاوف من إمكانية استغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية أو حالة الفوضى السابقة في استقطاب أفراد جدد.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الخطر لا يرتبط بالضرورة بوجود تشكيلات كبيرة تسيطر على مناطق واسعة، وإنما يمكن أن يظهر من خلال مجموعات محدودة العدد قادرة على التحرك والاختباء والاستفادة من البيئة المحلية.

تغير أساليب التنظيمات المسلحة

ويطرح نشاط الخلايا الصغيرة أيضاً تساؤلات بشأن طبيعة عمل التنظيمات المتطرفة بعد فقدانها السيطرة على مناطق واسعة في سوريا والعراق.

فبعد خسارة «داعش» مناطق سيطرته الإقليمية، اعتمد التنظيم بصورة أكبر على الخلايا والعمليات المحدودة، مع استمرار نشاط مجموعاته في مناطق مختلفة من سوريا. وتقول السلطات السورية إن خلية الصنمين واحدة من الخلايا التي تتبع التنظيم، وهو ما يجعل تحديد طبيعة العلاقة بين أفرادها والتنظيم محوراً أساسياً في التحقيقات الحالية.

كما يثير ضبط العبوات ومعدات تصنيع المتفجرات، وفق ما أعلنته السلطات، تساؤلات بشأن طبيعة القدرات التي كانت بحوزة المجموعة وما إذا كانت تمتلك بنية تنظيمية أوسع من مجرد مجموعة محلية محدودة.

المجتمع المحلي أمام اختبار جديد

ولا يقتصر التعامل مع ملف السلاح والخلايا المسلحة على الإجراءات الأمنية وحدها، إذ يمثل المجتمع المحلي في درعا عاملاً أساسياً في منع عودة الفوضى وتعزيز الاستقرار.

ويطرح ذلك أهمية التنسيق بين المؤسسات الحكومية ووجهاء المناطق والشخصيات المحلية، إلى جانب الاستفادة من معرفة أبناء المنطقة بالتركيبة الاجتماعية والجغرافية للمحافظة.

كما أن معالجة الظروف الاقتصادية التي قد تدفع بعض الشباب إلى الانخراط في مجموعات مسلحة تمثل جانباً مكملاً للجهد الأمني، خصوصاً في المناطق التي لا تزال تعاني من آثار سنوات الحرب وتراجع فرص العمل.

ماذا عن القيادات المحلية السابقة؟

ويبرز كذلك ملف الشخصيات التي كانت ناشطة عسكرياً خلال سنوات الحرب ثم دخلت في تسويات أو ابتعدت عن العمل المسلح.

وتملك بعض هذه الشخصيات معرفة واسعة بالتركيبة المحلية وخريطة القوى في الجنوب، ما يفتح المجال أمام الاستفادة من هذه الخبرات ضمن مؤسسات الدولة، وفق رؤية تقوم على دمج الخبرات المحلية بدلاً من تركها خارج الأطر الرسمية.

وفي المقابل، يبقى ضبط السلاح ومنع تشكيل مجموعات مسلحة خارج مؤسسات الدولة من أبرز التحديات التي تواجه تثبيت الاستقرار في المحافظة.

الأمن وحده لا يحسم الملف

ويحتاج تثبيت الاستقرار في الجنوب إلى إجراءات أمنية مترافقة مع مسارات اقتصادية وقانونية واجتماعية، بما يقلل من قدرة الجماعات المسلحة على استقطاب أفراد جدد.

وتشمل هذه المسارات توفير فرص العمل، وتطوير الخدمات، وتعزيز سيادة القانون، ووضع آليات واضحة للتعامل مع حيازة السلاح والانضمام إلى التنظيمات المسلحة، إلى جانب إشراك المجتمعات المحلية في القضايا الخدمية والإدارية التي تمس حياتها اليومية.

كما أن تطوير القدرات الاستخبارية يمثل عاملاً أساسياً في تقليل الخسائر خلال العمليات الأمنية، من خلال تحسين جمع المعلومات وتحليلها وتحديثها، وربطها بالتخطيط الميداني والتدريب المستمر للعناصر.

الجنوب في دائرة تجاذبات إقليمية

وتزيد حساسية موقع درعا وقربها من الحدود الأردنية ومن منطقة الجولان من تعقيد المشهد الأمني، في ظل استمرار التوترات الإقليمية والتدخلات العسكرية في الجنوب السوري.

ويطرح استمرار الاضطرابات الأمنية في المنطقة تحديات إضافية أمام السلطات، خصوصاً مع تداخل الملفات الأمنية المحلية مع قضايا الحدود وتهريب السلاح والمخدرات والنشاطات العابرة للحدود.

وفي هذا السياق، يمثل ضبط الوضع الداخلي وتعزيز مؤسسات الدولة أحد العوامل المرتبطة بقدرتها على التعامل مع الضغوط الأمنية والإقليمية المحيطة بالجنوب.

هل تقف جهات خارجية خلف أحداث الصنمين؟

ولا توجد حتى الآن معطيات معلنة تثبت وجود تخطيط خارجي مباشر وراء أحداث الصنمين، فيما تركز الرواية الرسمية على مواجهة مجموعة مسلحة خلال عملية للقبض على مطلوب.

وفي الوقت نفسه، تثير طبيعة المشهد الأمني في الجنوب احتمال استفادة أطراف مختلفة من استمرار حالة عدم الاستقرار، سواء عبر شبكات تهريب أو مجموعات مسلحة أو تنظيمات متطرفة، وهو ما يجعل تحديد طبيعة الارتباطات الخارجية، إن وجدت، جزءاً من الملفات التي تحتاج إلى أدلة وتحقيقات مستقلة.

وتبقى عملية الصنمين، في ضوء المعطيات الحالية، اختباراً لقدرة الأجهزة الأمنية على تفكيك الخلية وملاحقة بقية أفرادها، كما تعيد إلى الواجهة ملفاً أوسع يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، وتطوير العمل الاستخباري، وتعزيز دور المجتمع المحلي، ومعالجة الظروف التي يمكن أن تستغلها الجماعات المسلحة لإعادة بناء نفوذها في الجنوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى