قمة ترامب وشي.. هل تصبح تايوان ورقة تفاوض؟

تتجه الأنظار إلى مستقبل السياسة الأمريكية تجاه تايوان مع اقتراب القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، وسط نقاش متزايد داخل واشنطن بشأن طبيعة الالتزام الأمريكي تجاه الجزيرة وحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة في حال اندلاع مواجهة عسكرية عبر مضيق تايوان.
ومن المقرر أن يلتقي ترامب وشي في البيت الأبيض في 24 سبتمبر، في وقت تتداخل فيه قضية تايوان مع ملفات أخرى في العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم، من التجارة إلى التكنولوجيا والأمن الإقليمي.
وتثير تصريحات ومواقف صادرة عن الإدارة الأمريكية ومقربين من الرئيس تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن ستواصل نهجها التقليدي القائم على «الغموض الاستراتيجي»، أم أن النقاش الداخلي قد يتجه نحو صيغة مختلفة تحدد بصورة أوضح حدود الالتزام الأمريكي تجاه الجزيرة.
سياسة الغموض الاستراتيجي
اتبعت الولايات المتحدة لعقود سياسة تقوم على عدم الإعلان مسبقاً عما إذا كانت ستتدخل عسكرياً للدفاع عن تايوان في حال تعرضها لهجوم صيني.
وتبلورت هذه السياسة بعد التحول الدبلوماسي الأمريكي تجاه بكين في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وأصبحت جزءاً من المقاربة الأمريكية للحفاظ على توازن دقيق في مضيق تايوان.
ويهدف هذا النهج، بحسب التصور الأمريكي التقليدي، إلى ردع الصين عن استخدام القوة ضد الجزيرة، وفي الوقت نفسه تجنب تشجيع تايوان على اتخاذ خطوات قد تعتبرها بكين تحدياً مباشراً لموقفها من مسألة السيادة.
لكن تنامي القدرات العسكرية الصينية خلال السنوات الأخيرة أعاد النقاش في واشنطن حول جدوى استمرار الغموض الاستراتيجي.
وتطالب أصوات أمريكية بالانتقال إلى ما يسمى «الوضوح الاستراتيجي»، أي إعلان استعداد الولايات المتحدة بصورة أكثر صراحة لمساعدة تايوان في حال تعرضها لهجوم.
وكان الرئيس السابق جو بايدن قد أدلى خلال ولايته بتصريحات فسرت على أنها تميل في هذا الاتجاه، رغم بقاء السياسة الأمريكية الرسمية دون تغيير معلن.
تصريحات ترامب تثير تساؤلات
في المقابل، صدرت عن ترامب خلال السنوات الأخيرة تصريحات مختلفة بشأن تايوان، ركز بعضها على المصالح الاقتصادية الأمريكية، ولا سيما قطاع أشباه الموصلات.
كما أبدى الرئيس الأمريكي في مناسبات مختلفة تحفظاً تجاه خوض الولايات المتحدة مواجهة عسكرية بعيدة عن أراضيها، وهو ما أعاد النقاش بشأن مدى استعداد واشنطن لتحمل كلفة مواجهة محتملة مع الصين بسبب تايوان.
وفي إحدى القمم السابقة، قال ترامب إن شي «يشعر بقوة» تجاه قضية تايوان، مضيفاً أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى الدخول في حرب على مسافة آلاف الأميال من أراضيها.
وتُفسر هذه التصريحات بطرق مختلفة داخل الأوساط السياسية والأمنية الأمريكية، ولا تعني بحد ذاتها تغييراً رسمياً في السياسة الأمريكية تجاه الجزيرة.
الأسلحة في صلب النقاش
وتشكل مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى تايوان أحد الملفات الحساسة في العلاقة بين واشنطن وبكين.
وكان ترامب قد أعلن عن حزمة دفاعية كبيرة لتايوان، فيما ظلت صفقات أخرى قيد الدراسة داخل الإدارة الأمريكية.
ويرتبط جزء من النقاش بمخاوف من إمكانية استخدام مبيعات الأسلحة أو التعاون الدفاعي ضمن المفاوضات الأوسع بين واشنطن وبكين، وهو ما قد يضع ملف تايوان في سياق مختلف عن النهج الذي اتبعته إدارات أمريكية سابقة في إدارة العلاقة مع الصين.
وفي المقابل، لم تعلن الإدارة الأمريكية رسمياً التخلي عن سياسة الغموض الاستراتيجي.
وأكد مسؤولون أمريكيون استمرار العمل ضمن الإطار القائم، بينما تحدث مسؤولون في وزارة الدفاع عن تعزيز القدرات العسكرية والردعية الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ولا سيما على امتداد ما يعرف بـ«سلسلة الجزر الأولى».
اختلاف داخل واشنطن
ويجري النقاش بشأن مستقبل السياسة تجاه تايوان أيضاً داخل الدوائر السياسية والفكرية القريبة من الإدارة الأمريكية.
فقد دعت شخصيات مرتبطة بالتيار الأكثر تشككاً في الالتزامات العسكرية الخارجية إلى إعادة النظر في استعداد الولايات المتحدة لخوض حرب مباشرة دفاعاً عن تايوان، فيما تطرح مراكز بحثية وأوساط سياسية أخرى تقليص الوجود العسكري الأمريكي في بعض مناطق آسيا.
لكن هذه المواقف لا تمثل بالضرورة سياسة رسمية للإدارة، كما أن وجود نقاش داخل واشنطن لا يعني اتخاذ قرار نهائي بشأن تغيير السياسة الأمريكية تجاه الجزيرة.
كيف تقرأ بكين الإشارات الأمريكية؟
يمثل تفسير الصين للمواقف الأمريكية أحد أبرز مصادر القلق في هذه القضية.
فأي انطباع لدى بكين بأن واشنطن أصبحت أقل استعداداً للتدخل في حال اندلاع صراع حول تايوان قد يؤثر في حساباتها العسكرية والسياسية، بينما قد يؤدي الاعتقاد بعكس ذلك إلى زيادة احتمالات التوتر أو سباق التسلح في المنطقة.
وتتمسك الصين بموقفها القائل إن تايوان جزء من أراضيها، ولا تستبعد استخدام القوة لتحقيق ما تصفه بإعادة التوحيد، في حين ترفض تايوان الخضوع لسيطرة بكين وتدعو إلى الحفاظ على وضعها السياسي والأمني القائم.
وفي الوقت نفسه، تحاول بكين وواشنطن إدارة ملفات خلافية متعددة من خلال الحوار، خصوصاً في ظل الترابط الاقتصادي الكبير بينهما.
القمة المرتقبة
وتأتي قمة ترامب وشي في وقت تتقاطع فيه قضية تايوان مع ملفات تجارية وتكنولوجية وأمنية أوسع.
ومن شأن أي تصريحات تصدر عن الرئيسين بشأن الجزيرة أن تحظى بمتابعة واسعة في تايبيه وبكين وواشنطن، خصوصاً أن طبيعة الالتزام الأمريكي تجاه تايوان لا تزال قائمة على سياسة لا تحدد مسبقاً شكل الرد الأمريكي في حال وقوع هجوم.
وبينما لا توجد مؤشرات رسمية على تحول واشنطن إلى سياسة معلنة لعدم التدخل، فإن استمرار النقاش داخل الإدارة الأمريكية والدوائر المحيطة بها يجعل مستقبل هذه السياسة أحد الملفات الرئيسية التي ستحدد شكل التوازن في شرق آسيا خلال المرحلة المقبلة.




