سلاح الفصائل العراقية بين مخازن الحشد و”ساعة الصفر”

لا تزال قضية سلاح الفصائل العراقية من أبرز الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات في بغداد، وسط معلومات تفيد بأن معظم الأسلحة الثقيلة والصواريخ والطائرات المسيّرة لم تُسلَّم حتى الآن، فيما يدور النقاش حول صيغة تقضي بنقل جزء أساسي من هذه الترسانة إلى مخازن هيئة الحشد الشعبي.
وقد تؤدي هذه الصيغة إلى إخراج السلاح من الاستخدام اليومي للفصائل، لكنها لا تعني بالضرورة تفكيكه أو إخراجه نهائياً من المعادلة العسكرية، خصوصاً مع استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران واحتمال تجدد المواجهة بينهما.
وبحسب مصدر سياسي عراقي مطلع على المفاوضات، فإن النقاشات التي جرت خلال الشهرين الماضيين، بمشاركة أطراف سياسية وأمنية وفصائل مسلحة، تضمنت تصوراً يقضي بسحب السلاح من التداول الميداني ووضعه في مخازن تابعة للحشد الشعبي، مع بقاء احتمال استخدامه قائماً في حال اندلاع مواجهة جديدة بين واشنطن وطهران.
سلاح الفصائل في قلب المفاوضات
وتنظر بعض الفصائل، ولا سيما الأكثر ارتباطاً بإيران، إلى أي مواجهة أميركية إيرانية محتملة باعتبارها صراعاً قد يتجاوز الأراضي الإيرانية، وفق المصدر، مع احتمال أن تنخرط جماعات مسلحة من داخل العراق أو تنقل عناصر إلى ساحات إقليمية أخرى، تبعاً لطبيعة المواجهة واتساعها.
وتأتي هذه النقاشات في وقت تصر فيه الحكومة العراقية على حصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع اقتراب الموعد المعلن لانتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق في 30 سبتمبر، وسط تأكيدات حكومية بأن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على تعزيز السيادة وقرار الدولة.
وكان رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قد أكد أن العراق لن يكون ساحة لصراعات الآخرين أو منطلقاً للاعتداء على دول الجوار، مشدداً على تعزيز سلطة الدولة واستقلال قرارها ودعم المؤسسات الأمنية.
هل يعني التخزين نزع السلاح؟
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن عملية حصر سلاح الفصائل لم تصل بعد إلى مرحلة الحسم، فيما تتركز المفاوضات بصورة متزايدة على كيفية إدارة الترسانة ومكان تخزينها والجهة التي تملك صلاحية تحريكها، بدلاً من تفكيكها بالكامل.
ووفق التصور المطروح، يمكن أن تشمل العملية تسجيل أنواع الأسلحة ومواقع تخزينها ونقلها إلى مخازن تابعة للحشد الشعبي، على أن تخضع حركتها لاحقاً لسلطة القائد العام للقوات المسلحة.
لكن نقل الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى مخازن رسمية يطرح إشكالية تتعلق بطبيعة هذا الإجراء: هل يمثل خطوة فعلية نحو نزع سلاح الفصائل، أم مجرد تغيير في الجهة التي تتولى تخزين ترسانة يمكن إعادة استخدامها في حال حدوث تطور إقليمي كبير؟
وتزداد حساسية هذا السؤال مع وجود جماعات مسلحة تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، ومع استمرار الخلاف حول آلية دمج هذه القدرات ضمن المنظومة الأمنية الرسمية.
تحذيرات من اتساع المواجهة
وتأتي المفاوضات وسط ارتفاع مستوى التحذيرات الأميركية المتعلقة بالوضع الأمني في الشرق الأوسط، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة بين واشنطن وطهران.
وحذرت الولايات المتحدة من احتمالات حدوث تطورات أمنية غير متوقعة في المنطقة، ودعت مواطنيها إلى توخي الحذر والاستعداد لاحتمالات اضطراب حركة الطيران أو إغلاق بعض المجالات الجوية.
كما أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقليص إقامته في كامب ديفيد والعودة إلى البيت الأبيض تكهنات بشأن التطورات المقبلة، من دون أن يشكل ذلك بحد ذاته دليلاً على اتخاذ قرار بشن عملية عسكرية جديدة.
وفي بغداد، تثير احتمالات اتساع المواجهة مخاوف من عودة استخدام الأراضي العراقية كساحة للصراع بين واشنطن وطهران، سواء عبر إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة أو من خلال تحركات محدودة لجماعات مسلحة خارج الأطر الرسمية.
تجارب سابقة تزيد المخاوف
وتستند المخاوف العراقية أيضاً إلى سوابق شهدت استهداف مصالح مرتبطة بالولايات المتحدة من جانب فصائل مسلحة مدعومة من إيران، إلى جانب تقارير عن تعاون أو تنسيق بين جماعات عراقية ومجموعات مسلحة أخرى في المنطقة.
وتضم «المقاومة الإسلامية في العراق» عدداً من الفصائل المسلحة، من بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، ما يجعل مسألة استمرار احتفاظ هذه الجماعات بقدراتها العسكرية مرتبطة ليس فقط بالترتيبات الأمنية الداخلية، وإنما أيضاً بالتوازنات الإقليمية.
وفي حال بقيت الصواريخ والطائرات المسيّرة خارج الاستخدام اليومي ولكن داخل مخازن رسمية، فإن طريقة إدارة هذه الترسانة وآلية إصدار القرار بشأن استخدامها ستصبحان من أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة.
بغداد تعيد ترتيب المشهد الأمني
وفي موازاة ملف السلاح، تعمل الحكومة العراقية على تعزيز السيطرة على مفاصل القرار الأمني، في وقت تستعد فيه البلاد لمرحلة جديدة بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي.
وتشير المعطيات المتداولة إلى إعادة ترتيب مواقع أمنية حساسة وتعزيز دور مكتب القائد العام للقوات المسلحة في إدارة الملفات الأمنية، بالتزامن مع تأكيدات حكومية على ضرورة ترسيخ سلطة الدولة ومنع استخدام الأراضي العراقية في صراعات إقليمية.
وتواجه بغداد بذلك معادلة معقدة تجمع بين هدف حصر السلاح بيد الدولة، والحفاظ على تماسك المنظومة الأمنية، ومنع تحول العراق إلى ساحة جديدة في أي مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.
ومع اقتراب موعد 30 سبتمبر، لا يقتصر التحدي على معرفة ما إذا كانت الفصائل ستوافق على تسليم أسلحتها، بل يمتد إلى طبيعة الترتيبات التي ستُعتمد لإدارة الصواريخ والطائرات المسيّرة بعد نقلها، والجهة التي ستكون صاحبة القرار النهائي بشأن تحريكها أو استخدامها.




