ألمانيا تدخل عصر «F-35».. تحول كبير في سلاح الجو

تسلّمت ألمانيا أول مقاتلة من طراز «F-35A» الأميركية، في خطوة تمثل محطة جديدة في برنامج تحديث سلاح الجو الألماني وتعزيز قدراته ضمن منظومة الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي «الناتو».
وجرت مراسم تسليم الطائرة في منشأة شركة «لوكهيد مارتن» بمدينة فورت وورث في ولاية تكساس، بحضور وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، ضمن برنامج يشمل 35 مقاتلة مخصصة للقوات الجوية الألمانية.
وستبقى الطائرات الأولى في الولايات المتحدة خلال المرحلة الحالية لتدريب الطيارين والأطقم الفنية، على أن تبدأ مقاتلات «F-35A» بالوصول إلى قاعدة بوشل الألمانية اعتباراً من الربع الثالث من عام 2027، فيما تمتد عمليات التسليم حتى عام 2029.
مقاتلة للجيل الجديد
لا تقتصر أهمية «F-35A» بالنسبة إلى ألمانيا على استبدال طائرات قديمة بأخرى أحدث، إذ ترتبط الصفقة بإعادة بناء القدرات الجوية الألمانية وتعزيز قابلية العمل المشترك مع القوات الحليفة داخل «الناتو».
وتنتمي المقاتلة إلى الجيل الخامس من الطائرات القتالية، وتجمع بين تقنيات التخفي ودمج بيانات المستشعرات والاتصال الشبكي، بما يسمح بتبادل المعلومات مع الطائرات والوحدات والقوات الحليفة في الوقت الفعلي تقريباً.
وتعتمد ألمانيا على هذه القدرات في أداء مهام متعددة، تشمل الدفاع الجوي والعمليات الجوية التقليدية، إلى جانب دورها في مهمة الردع النووي المشتركة للحلف.
إعادة بناء القوة الجوية
يمثل برنامج «F-35» جزءاً من تحول أوسع في السياسة الدفاعية الألمانية، بعد عقود ركزت خلالها برلين بصورة أكبر على التنمية الاقتصادية والتكامل الأوروبي، بينما ظلت القدرات العسكرية أقل حضوراً مقارنة بثقل ألمانيا الاقتصادي والسياسي.
ومع تغير البيئة الأمنية في أوروبا، بدأت برلين إعادة تقييم جاهزيتها الدفاعية وقدراتها العسكرية، وبرز تحديث سلاح الجو باعتباره أحد محاور هذه العملية.
ويأتي اختيار «F-35A» ضمن هذا المسار، إذ يوفر للقوات الجوية الألمانية منصة حديثة مصممة للعمل ضمن بيئات عسكرية معقدة، مع قدرة عالية على جمع المعلومات وربطها ببقية عناصر القوة العسكرية.
كما تستعد ألمانيا لإنهاء الاعتماد على طائرات «تورنادو» تدريجياً، مع انتقال المهام التي تؤديها إلى «F-35A» والطائرات الأخرى ضمن خطط تحديث سلاح الجو. ومن المقرر أن تنتهي فترة استخدام «تورنادو» المخطط لها بحلول عام 2030.
الردع النووي داخل الناتو
يحمل برنامج «F-35A» أهمية خاصة بالنسبة إلى ألمانيا بسبب ارتباطه بمهمة «المشاركة النووية» داخل «الناتو»، وهي المهمة التي تؤديها طائرات «تورنادو» الألمانية حالياً.
وتقول وزارة الدفاع الألمانية إن إدخال «F-35A» إلى الخدمة يهدف إلى ضمان استمرار هذه القدرة وتعزيز قابلية التشغيل المشترك مع القوات المسلحة للدول الحليفة.
وتتيح خصائص المقاتلة، بما في ذلك التخفي ودمج بيانات المستشعرات والربط الشبكي، تنفيذ مهام ضمن منظومة عسكرية تعتمد بدرجة كبيرة على مشاركة المعلومات والتنسيق بين مختلف الوحدات والمنصات.
الحرب في أوكرانيا تعيد الحسابات
ويأتي تحديث القوة الجوية الألمانية في ظل تحول واسع في البيئة الأمنية الأوروبية منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وما تبعها من زيادة في الإنفاق الدفاعي وخطط تحديث القوات المسلحة في عدد من الدول الأوروبية.
وأعادت الحرب مسألة الجاهزية العسكرية إلى صدارة النقاشات الأمنية في ألمانيا، التي بدأت تنفيذ برامج واسعة لتعزيز قدراتها الدفاعية وتحديث المعدات والبنية التحتية.
وفي هذا السياق، لا تبدو صفقة «F-35A» برنامجاً منفصلاً عن بقية عملية التحديث، بل جزءاً من إعادة ترتيب أوسع لأولويات الدفاع الألمانية، تشمل الطائرات والقواعد العسكرية وأنظمة الاتصالات والتدريب والتسليح.
ما الذي تضيفه F-35 لألمانيا؟
تختلف «F-35A» عن تحديث أسطول تقليدي من المقاتلات، نظراً إلى اعتمادها على منظومة متكاملة تجمع بين التخفي والاستشعار والاتصال وتبادل البيانات.
وتسمح هذه القدرات للمقاتلة بالعمل ضمن شبكة تضم طائرات ومنظومات دفاع جوي وقوات برية وبحرية، وهو ما يعزز دورها في العمليات المشتركة داخل «الناتو».
وتخطط ألمانيا لإبقاء الدفعة الأولى من الطائرات في الولايات المتحدة خلال المرحلة الأولى، بهدف تدريب الطيارين والأطقم الفنية قبل انتقال المقاتلات تدريجياً إلى قاعدة بوشل. وستبدأ عمليات الوصول إلى ألمانيا اعتباراً من عام 2027.
تحول في الدور العسكري الألماني
يعكس الاستثمار الألماني المتزايد في القدرات العسكرية تحولاً تدريجياً في موقع القوة المسلحة داخل الاستراتيجية الوطنية، بعد فترة طويلة كان فيها الاعتماد على القدرات الجماعية للحلف يمثل عنصراً أساسياً في منظومة الدفاع.
ولا يعني ذلك بالضرورة عودة ألمانيا إلى نموذج القوة العسكرية الذي ساد في مراحل تاريخية سابقة، لكنه يشير إلى رغبة في امتلاك قدرات أكثر تطوراً، مع الحفاظ على العمل ضمن البنية الدفاعية الأطلسية.
ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية في ظل النقاش الأوروبي حول تقاسم أعباء الدفاع، وتزايد الدعوات إلى رفع مساهمة الدول الأوروبية في حماية القارة وتعزيز قدرتها على الاستجابة للأزمات الأمنية.
مرحلة جديدة لسلاح الجو الألماني
ومع تسلّم أول «F-35A»، تدخل ألمانيا مرحلة جديدة في تحديث قوتها الجوية، ستترافق مع تطوير البنية التحتية والتدريب والاتصالات وأنظمة الدعم والتسليح.
وتُعد قاعدة بوشل محوراً رئيسياً في هذا البرنامج، إذ خضعت خلال السنوات الماضية لأعمال تحديث استعداداً لاستقبال المقاتلات الجديدة.
وبينما تبدأ الطائرات الأولى مرحلة التدريب في الولايات المتحدة، ستتواصل عمليات التسليم إلى ألمانيا تدريجياً حتى عام 2029، قبل الوصول إلى القدرة التشغيلية الأولية ثم الكاملة وفق الجدول المعلن.
وبذلك تمثل «F-35A» أحد أبرز مكونات إعادة بناء القوة الجوية الألمانية، في وقت تسعى فيه برلين إلى تطوير قدراتها الدفاعية وتعزيز دورها العسكري داخل المنظومة الأوروبية وحلف «الناتو».




