أخبــاربلاد المهجرنبض الساعة

25 عاماً على 11 سبتمبر.. يوم غيّر وجه أمريكا

بعد مرور 25 عاماً على هجمات 11 سبتمبر 2001، تحيي الولايات المتحدة اليوم ذكراها في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا، وسط مراسم رسمية وفعاليات تذكارية تستعيد أسماء الضحايا وتستحضر تداعيات يوم ترك أثراً عميقاً في السياسة والمجتمع والأمن العالمي.

وبالنسبة إلى ملايين الأمريكيين الذين ولدوا بعد عام 2001، باتت الهجمات حدثاً تاريخياً أكثر من كونها تجربة عاشوها بشكل مباشر. ومع ذلك، لا تزال آثارها حاضرة في السياسات الأمنية، والنقاشات المتعلقة بالحريات، والحروب التي خاضتها الولايات المتحدة خلال العقدين التاليين.

من صدمة الهجمات إلى “الحرب على الإرهاب”

شكّلت الهجمات نقطة تحول كبرى في السياسة الأمريكية. وبعدها أطلقت إدارة الرئيس جورج بوش الابن ما عُرف بـ”الحرب على الإرهاب”، لتبدأ الولايات المتحدة حملة عسكرية في أفغانستان ضد تنظيم القاعدة وحركة طالبان.

لكن نطاق التدخل الأمريكي توسع لاحقاً، ولا سيما مع غزو العراق عام 2003، في حرب لم تكن مرتبطة مباشرة بهجمات 11 سبتمبر، لكنها أصبحت إحدى أبرز نتائج المرحلة التي أعقبتها.

وأدى الغزو إلى إسقاط نظام صدام حسين وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، قبل أن يتحول العراق إلى ساحة صراع طويلة ومعقدة. وفي أفغانستان، استمرت الحرب الأمريكية قرابة عقدين قبل انسحاب القوات الأمريكية عام 2021 وعودة طالبان إلى السلطة.

الأمن في مواجهة الحريات

لم تتوقف تداعيات الهجمات عند حدود السياسة الخارجية. ففي الداخل الأمريكي، توسعت صلاحيات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وأُقر قانون “باتريوت” في العام نفسه، مانحاً السلطات أدوات أوسع للمراقبة والتحقيق وملاحقة المشتبه بارتباطهم بالإرهاب.

كما تأسست وزارة الأمن الداخلي عام 2002، وأعيد تنظيم جزء كبير من منظومة الأمن والاستخبارات الأمريكية. ومع مرور السنوات، أصبح التوازن بين مكافحة الإرهاب وحماية الخصوصية والحريات المدنية أحد أبرز الأسئلة التي فرضتها مرحلة ما بعد 11 سبتمبر.

وكان معتقل غوانتانامو أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، إلى جانب برامج الاعتقال والاستجواب والعمليات السرية التي ارتبطت بالحرب على الإرهاب.

من الوحدة إلى الانقسام

في الأيام الأولى التي أعقبت الهجمات، شهدت الولايات المتحدة حالة واسعة من التضامن الداخلي، كما حصلت واشنطن على دعم دولي كبير. وللمرة الأولى في تاريخ حلف شمال الأطلسي، فُعّلت المادة الخامسة من معاهدة الحلف، باعتبار الهجوم على دولة عضواً هجوماً على الجميع.

لكن هذا التضامن بدأ بالتراجع مع توسع العمليات العسكرية، خصوصاً بعد غزو العراق. فقد انقسمت الدول الغربية بشأن الحرب، وظهرت خلافات حادة بين واشنطن وعدد من حلفائها الأوروبيين.

وفي الداخل الأمريكي، تغيرت النظرة إلى الحروب مع ارتفاع كلفتها البشرية والمالية، واستمرار القتال في أفغانستان والعراق لسنوات طويلة.

كما تركت هذه النزاعات آثاراً واسعة على الجنود والمحاربين القدامى، مع تسجيل حالات من الإصابات الجسدية والاضطرابات النفسية والصدمات المرتبطة بالحروب الطويلة.

الصين تستفيد من التحول

في الوقت الذي انشغلت فيه الولايات المتحدة بحربين طويلتين في أفغانستان والعراق، كانت الصين تواصل تعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية، وتوسع حضورها الدولي.

ومع مرور السنوات، تحولت بكين إلى المنافس الاستراتيجي الأبرز لواشنطن، بينما انتقلت الأولويات الأمريكية تدريجياً من التركيز على مكافحة الإرهاب إلى مواجهة تحديات مرتبطة بالمنافسة بين القوى الكبرى.

هذا التحول أعاد فتح النقاش داخل الولايات المتحدة حول كلفة التركيز الطويل على الشرق الأوسط، ومدى تأثير ذلك في قدرة واشنطن على التعامل مع صعود الصين وتغير موازين القوة العالمية.

من التشكيك إلى صعود الشعبوية

لم تقتصر تداعيات 11 سبتمبر على المؤسسات والسياسات، بل امتدت إلى المزاج السياسي والاجتماعي الأمريكي.

ومع تزايد الانتقادات للحروب الخارجية وتراجع الثقة بالمؤسسات، انتشرت نظريات مؤامرة تشكك في الرواية الرسمية للهجمات، مستفيدة من انتشار الإنترنت ثم وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي المقابل، تصاعدت داخل الولايات المتحدة تيارات سياسية تنتقد النخب والمؤسسات التقليدية وتدعو إلى تقليص التدخلات الخارجية.

ومع مرور الوقت، أصبح رفض الحروب والتشكيك في السياسات الخارجية جزءاً من الخطاب السياسي الذي ساعد على صعود تيارات شعبوية، وصولاً إلى انتخاب دونالد ترامب عام 2016، الذي وصف حرب العراق بأنها واحدة من أكبر الأخطاء في السياسة الخارجية الأمريكية.

هل انتهت آثار 11 سبتمبر؟

بعد ربع قرن، لم يعد تنظيم القاعدة القوة التي كان عليها في أعقاب الهجمات، وقُتل أسامة بن لادن عام 2011 وتراجعت قدرة التنظيم على العمل بالشكل الذي ظهر في السنوات الأولى.

لكن نهاية مرحلة معينة من الحرب على الإرهاب لم تعنِ اختفاء آثار 11 سبتمبر. فقد استمرت الجماعات المسلحة في مناطق مختلفة، وظهرت تنظيمات جديدة، بينها تنظيم داعش، الذي دفع الولايات المتحدة إلى الانخراط مجدداً في عمليات عسكرية في الشرق الأوسط.

وفي المقابل، بقيت الولايات المتحدة قوة عالمية رئيسية، رغم أن السنوات التي تلت الهجمات شهدت نقاشاً واسعاً حول حدود القوة العسكرية الأمريكية وكلفة التدخلات الخارجية.

جيل لم يعش الهجمات

أحد أبرز التحولات بعد 25 عاماً يتمثل في أن شريحة واسعة من الأمريكيين لم تكن قد ولدت عند وقوع الهجمات، أو كانت في سن مبكرة جداً لا تسمح لها بتذكرها.

ولهذا تحولت الذكرى تدريجياً من تجربة شخصية جماعية إلى حدث تاريخي يجري نقله عبر الصور والأفلام والشهادات والمراسم السنوية.

ومع ذلك، لا تزال آثار الهجمات حاضرة في ذاكرة الناجين وعائلات الضحايا ورجال الإنقاذ، إضافة إلى آلاف الأشخاص الذين تعرضوا لاحقاً لمشكلات صحية مرتبطة بعمليات الإنقاذ والعمل في مواقع الهجمات.

ذكرى تتجاوز حدود أمريكا

بعد 25 عاماً، لا تبدو ذكرى 11 سبتمبر مجرد مناسبة لاستعادة تفاصيل الهجمات، بل فرصة لمراجعة التحولات التي أعقبتها.

فقد غيّر ذلك اليوم طبيعة النقاش حول الأمن والحريات، وأعاد تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية، وأطلق حروباً استمرت سنوات، وأثر في العلاقات الدولية وموازين القوى.

وفي الذكرى الخامسة والعشرين، تعود الأسئلة نفسها بصيغة مختلفة: ما الذي تغير منذ ذلك اليوم؟ وما الذي بقي من إرثه في السياسة والمجتمع الأمريكي والعالم؟

وبينما تتواصل مراسم إحياء الذكرى في مواقع الهجمات الثلاثة، يبقى 11 سبتمبر نقطة فاصلة في التاريخ الحديث، ليس فقط بسبب حجم المأساة، وإنما بسبب سلسلة التحولات التي بدأت بعدها واستمرت آثارها لعقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى