من الأزرق إلى الأصفر.. ماذا يحدث في جنوب لبنان؟

دخل لبنان مرحلة حساسة على خلفية تقارير دبلوماسية وأمنية غربية تحذر من تداعيات استمرار الوضع الميداني والسياسي القائم في الجنوب، وتشير إلى أن بيروت تواجه فترة حرجة قد تمتد لعامين لإعادة فرض سيادة الدولة واستعادة الأراضي التي لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية.
وتحذر هذه التقارير من أن استمرار الوضع الحالي بعد هذه الفترة قد يؤدي، وفق تقديراتها، إلى تثبيت واقع ميداني طويل الأمد في جنوب لبنان، في سيناريو يشبه من بعض جوانبه الطريقة التي ترسخ بها الوضع القائم في هضبة الجولان السورية بعد احتلالها وقرار إسرائيل ضمها عام 1981، وهو قرار لم تعترف به الأمم المتحدة.
وبحسب مصادر غربية مطلعة، لم تعد الإجراءات الإسرائيلية في جنوب لبنان تقتصر على العمليات العسكرية، بل تتضمن، وفق هذه المصادر، تحركات تهدف إلى إحداث تغييرات جغرافية وديموغرافية في القرى الواقعة على امتداد الشريط الحدودي، من الناقورة غربًا وصولًا إلى مزارع شبعا وتلال كفرشوبا شرقًا.
وتشير المعلومات التي نقلتها المصادر إلى أن القيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي تعمل على تنفيذ خطة أمنية طويلة الأمد تُعرف في الأوساط العسكرية باسم “تثبيت الحزام العازل”.
وبحسب المصادر ذاتها، يتجاوز الهدف المعلن للخطة مسألة إبعاد المظاهر المسلحة التابعة لحزب الله إلى شمال نهر الليطاني، ليشمل إنشاء واقع أمني وعسكري جديد قد يساهم، على المدى الطويل، في تثبيت السيطرة الإسرائيلية على أجزاء من المنطقة.
تفريغ القرى الحدودية
وتقول المصادر إن الخطة تتضمن، في أحد جوانبها، إحداث تغيير ديموغرافي في القرى الواقعة على الخط الأمامي، عبر تدمير واسع للبنية التحتية في نطاق يمتد بين 3 و5 كيلومترات، بما يشمل شبكات المياه ومحطات الكهرباء والمنشآت الصحية.
وترى المصادر أن استمرار هذه الأضرار قد يجعل عودة السكان إلى عدد من القرى الحدودية صعبة خلال الفترة المقبلة، في ظل تراجع القدرة على توفير الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار.
وبالتوازي مع ذلك، تشير التقديرات إلى سعي إسرائيل لفرض واقع أمني جديد يتجاوز الخط الأزرق الذي حددته الأمم المتحدة عام 2000، عبر ما يُشار إليه باسم “الخط الأصفر”.
وبحسب هذه المعلومات، قد يتضمن هذا الواقع إنشاء نقاط مراقبة وأنظمة مراقبة متطورة داخل الأراضي اللبنانية، إلى جانب منح القوات الإسرائيلية مجالًا أوسع للتحرك والتدخل العسكري، تحت مبرر منع إعادة تموضع حزب الله قرب الحدود.
النقاط المتنازع عليها في الواجهة
ويمتد هذا الطرح، وفق المصادر الغربية، إلى المناطق المتنازع عليها على الحدود، إذ تشير إلى احتمال ربط ملف النقاط الـ13 التي يتحفظ عليها لبنان بالقسم الشمالي من قرية الغجر ومزارع شبعا.
وتحذر المصادر من أن استمرار السيطرة الإسرائيلية على هذه المناطق لفترة طويلة قد يؤدي إلى تكريس وضع ميداني جديد، وربطه تدريجيًا بالمنظومة الإدارية والأمنية للمناطق الواقعة في شمال إسرائيل.
ويرى محللون سياسيون أن تثبيت مثل هذا الواقع قد يواجه اعتراضات دولية، خصوصًا في ظل استمرار الخلاف بشأن الحدود والسيادة اللبنانية على المناطق المتنازع عليها.
الحسابات السياسية للمهلة الزمنية
ويربط المحلل السياسي لطيف أبو نبوت تحديد فترة العامين بحسابات سياسية وإقليمية ودولية، معتبرًا أن هذه المهلة تتقاطع مع مرحلة تشهد إعادة ترتيب للأوضاع في الشرق الأوسط.
وقال إن إسرائيل تستفيد، وفق تقديره، من حالة الجمود السياسي والضغوط الاقتصادية التي يواجهها لبنان، مشيرًا إلى أن ضعف قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيطرة الجيش على كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني قد يوفر لإسرائيل مبررات لتقديم إجراءاتها الأمنية باعتبارها مرتبطة بحماية مناطقها الشمالية.
في المقابل، يرى المحلل السياسي ميشيل نجم أن إسرائيل تتبع ما وصفه باستراتيجية “قضم الأرض الهادئ”، انطلاقًا من تقديره بأن إعلان ضم رسمي ومباشر قد يواجه اعتراضات دولية واسعة، بينما يسمح تثبيت السيطرة الميدانية بإنشاء واقع جديد دون إعلان قانوني صريح.
وقال إن سيناريو الجولان يمكن أن يُستعاد بصورة مختلفة في جنوب لبنان، موضحًا أن استمرار حالة الجمود السياسي والعسكري لفترة طويلة، من دون إطار دبلوماسي يضمن الانسحاب الإسرائيلي وإعادة إعمار القرى الحدودية، قد يحول الوجود العسكري إلى أمر واقع يصعب تغييره لاحقًا.
مستقبل القرار 1701
وحذر نجم من تراجع الدور الذي اضطلع به القرار 1701 منذ عام 2006، في ظل نقاشات وضغوط مرتبطة بمستقبل مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل”، فيما يرفض لبنان رسميًا إنهاء مهمتها.
وتضع هذه التطورات الدولة اللبنانية أمام تحديات تتعلق بقدرتها على استعادة المبادرة في الجنوب، وتعزيز انتشار الجيش، والحفاظ على ترتيبات الحدود القائمة، بالتزامن مع استمرار المساعي الدبلوماسية المرتبطة بالوضع الأمني.
وفي حال استمرار الوضع الميداني الحالي لفترة طويلة، تحذر التقديرات الواردة في التقارير من احتمال تحول أجزاء من الشريط الحدودي إلى منطقة أمنية مغلقة تفرض فيها إسرائيل واقعًا ميدانيًا طويل الأمد، وهو سيناريو يبقى مرتبطًا بتطورات الوضع السياسي والأمني والمفاوضات بشأن الحدود.




