خريطة القوة في سوريا.. من يقود الجيش الجديد؟

تتجه الأنظار إلى عملية إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية في سوريا، مع مساعي دمشق لتأسيس «جيش سوري جديد» تقول السلطات إنه يهدف إلى إنهاء حالة تعدد الفصائل المسلحة وبناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة.
لكن عملية الدمج تفتح في الوقت نفسه نقاشاً حول تركيبة القيادة الجديدة، وهوية الشخصيات التي تحتفظ بمواقع مؤثرة داخل الجيش والأجهزة الأمنية، وما إذا كانت إعادة الهيكلة تمثل تحولاً مؤسسياً واسعاً أم إعادة ترتيب للقوى الموجودة ضمن إطار رسمي جديد.
وبحسب تحقيق صحفي تناول عملية إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية، تمر سوريا بواحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سقوط نظام بشار الأسد، مع العمل على تفكيك البنية العسكرية للفصائل وإعادة دمج عناصرها وتشكيلاتها ضمن وزارة الدفاع.
دمج الفصائل
ويحاول الحكم الجديد في دمشق، برئاسة أحمد الشرع، الانتقال من الإشراف على نحو 22 فرقة كانت تعمل عملياً بدرجات متفاوتة من الاستقلال، إلى دمج هذه التشكيلات ضمن هيكل عسكري موحد تابع للدولة.
وتقول دمشق إن العملية تتم تدريجياً وبالتنسيق مع تركيا والولايات المتحدة، وشملت تفكيك عدد من الكتل العسكرية التي كانت تتمتع بتركيبة متماسكة، بينها «جيش الإسلام» الذي أُدمج في الفرقة 70، إلى جانب غالبية تشكيلات «الجيش الوطني» و«جيش سوريا الحرة»، الذي كان ينتشر قرب قاعدة التنف في جنوب شرقي سوريا.
وبحسب مصادر مطلعة، يهدف هذا المسار إلى الحد من مراكز القوة المرتبطة بالمناطق والفصائل، وكذلك المصالح الاقتصادية المستقلة عنها، بما يعزز احتكار الدولة للسلاح والقرار العسكري.
قيادات سابقة
في المقابل، تتركز الأنظار على طبيعة القيادة التي تتولى إدارة المنظومة العسكرية والأمنية الجديدة.
ويشير التحقيق إلى استمرار شخصيات وقيادات سابقة في «هيئة تحرير الشام»، إلى جانب شخصيات كانت مرتبطة في السابق بـ«جبهة النصرة»، في شغل مواقع داخل المؤسسات العسكرية ومراكز صنع القرار.
وبحسب مصادر تحدثت في التحقيق، يخضع الضباط وقادة الفصائل الذين أعيد توزيعهم على الوحدات العسكرية في نهاية المطاف لقيادات جاءت من «هيئة تحرير الشام».
وتقدم دمشق هذا الواقع باعتباره مرحلة انتقالية تحتاج خلالها الدولة إلى كوادر تمتلك خبرة عسكرية وأمنية وإدارية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجه عملية بناء المؤسسات بعد سنوات الحرب.
منطق الدمج
وقال العقيد عبد المعطي الحلبي، وهو قائد في الجيش الجديد وكان سابقاً من القيادات البارزة في «جبهة النصرة»، إن استمرار الفصائل ككتل مستقلة كان يمثل تهديداً لاستقرار الدولة.
وأوضح أن «هيئة تحرير الشام» كانت من أوائل التشكيلات التي حلت نفسها واندمجت في مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن عناصرها يحملون خبرات أمنية وإدارية اكتسبوها خلال سنوات إدارة مناطق في إدلب.
وأضاف أن التعامل مع الفصائل الأكثر تشدداً يتم عبر تفكيك بنيتها التنظيمية وتوزيع عناصرها على الوحدات والفيالق العسكرية، بهدف منع نشوء مراكز قوة مستقلة داخل المؤسسة الجديدة.
وبحسب الحلبي، يمتلك بعض هؤلاء المقاتلين خبرة قتالية، لكن دمجهم في الجيش يفرض عليهم العمل ضمن التسلسل العسكري والمؤسسات الرسمية، بدلاً من العمل وفق منطق التنظيمات والفصائل.
مقاتلون أجانب
ولا تقتصر عملية الدمج على الفصائل السورية، إذ يبرز ملف المقاتلين الأجانب باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في عملية إعادة تشكيل الجيش.
وأشار خبير تحدث في التحقيق إلى إدماج مجموعات إسلامية أجنبية، بينها مقاتلون من أصول تركستانية، ضمن الجيش السوري، ولا سيما في صفوف الفرقة 84.
وتقول دمشق إن إدماج هذه العناصر يهدف إلى إخضاعها للقوانين والأنظمة العسكرية ومنعها من العمل بصورة مستقلة خارج مؤسسات الدولة.
في المقابل، تثار مخاوف من أن يؤدي منح هذه العناصر وضعاً رسمياً داخل المؤسسة العسكرية إلى توفير موارد وامتيازات مرتبطة بالدولة، بما في ذلك الرواتب والتجهيزات والزي العسكري.
أسئلة حول التحول
وتضع هذه التطورات عملية إعادة بناء الجيش السوري أمام مجموعة من التساؤلات المتعلقة بطبيعة التحول الذي تشهده المؤسسة العسكرية.
فبينما تقدم دمشق عملية الدمج باعتبارها خطوة نحو توحيد السلاح وبناء جيش وطني حديث، يرى منتقدون أن استمرار شخصيات ذات خلفيات فصائلية في مواقع قيادية قد يجعل الانتقال من نموذج الفصائل إلى المؤسسة العسكرية أكثر تعقيداً.
كما أن إدماج عناصر تنتمي إلى خلفيات تنظيمية مختلفة يطرح تحديات تتعلق بالتسلسل القيادي، والولاء المؤسسي، ومدى نجاح الدولة في تحويل التشكيلات السابقة إلى وحدات عسكرية تعمل وفق قواعد موحدة.
بين الهيكل والقيادة
تسعى دمشق إلى تحويل التشكيلات المسلحة التي نشأت خلال سنوات الحرب إلى مؤسسة عسكرية واحدة تخضع لسلطة الدولة، في مسار يغيّر الهيكل التنظيمي للقوات ويعيد توزيع عناصرها وقياداتها.
لكن نجاح هذه العملية لا يرتبط فقط بتوحيد الوحدات تحت اسم وزارة الدفاع، بل بمدى قدرة المؤسسة الجديدة على بناء منظومة قيادة موحدة، وإخضاع جميع عناصرها لقواعد الدولة، وإنهاء استقلالية مراكز القوة التي نشأت خلال سنوات الصراع.
وبين إعادة تشكيل الهيكل العسكري واستمرار بعض القيادات ذات الخلفيات الفصائلية في مواقع مؤثرة، تبقى طبيعة التحول الذي سيشهده الجيش السوري الجديد مرتبطة بما ستؤول إليه عملية بناء المؤسسة العسكرية خلال المرحلة المقبلة.




