أخبــاربلاد المهجر

توترات باب المندب.. هل تربح الموانئ الأفريقية؟

يتزايد الضغط على مضيق باب المندب مع اتساع نطاق السيطرة الحوثية على أجزاء استراتيجية من الساحل اليمني والجزر الواقعة قرب المضيق، ما يرفع المخاطر أمام حركة التجارة الدولية ويدفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم مساراتها، في وقت لا يزال فيه الممر البحري مفتوحاً أمام حركة السفن رغم تراجع معدلات العبور.

واستحوذت التطورات الأخيرة على اهتمام قطاع النقل البحري، بعدما تمكن الحوثيون من السيطرة على مدينة المخا ومناطق ساحلية أخرى وجزيرة بريم الواقعة داخل مضيق باب المندب، ما عزز قدرتهم على التأثير في حركة السفن التي تستخدم هذا الطريق الحيوي بين البحر الأحمر وخليج عدن.

ويعد باب المندب أحد أهم الممرات البحرية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس، ويبلغ عرضه في أضيق مناطقه نحو 32 كيلومتراً، ما يمنحه أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

وتشير بيانات حديثة إلى استمرار مرور السفن عبر المضيق، وإن كان بمستويات أقل من الفترات السابقة. كما بدأت بعض شركات الحاويات في استئناف رحلاتها عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ما يعكس أن خيار العودة إلى هذا المسار لا يزال مطروحاً رغم المخاطر الأمنية.

وتضع التطورات الجديدة شركات الشحن أمام معادلة معقدة: استخدام طريق باب المندب وقناة السويس يوفر مسافة ووقتاً مقارنة بالدوران حول رأس الرجاء الصالح، لكنه يفرض في المقابل تكاليف إضافية مرتبطة بالتأمين والمخاطر الأمنية وحماية السفن.

وفي حال تدهورت الأوضاع الأمنية مجدداً، قد تجد شركات الشحن نفسها مضطرة إلى توسيع الاعتماد على الطريق المحيط بأفريقيا، وهو مسار أطول يزيد مدة الرحلات واستهلاك الوقود، لكنه يوفر بديلاً عن المرور عبر منطقة البحر الأحمر.

وتبرز في هذه الحالة أهمية الموانئ الأفريقية الواقعة على طرق الملاحة البديلة، خصوصاً الموانئ القادرة على تقديم خدمات التزود بالوقود والصيانة وإعادة تموين السفن وإدارة عمليات الشحن. وقد تستفيد مراكز بحرية في شرق وجنوب وغرب أفريقيا من زيادة حركة السفن إذا تحولت أعداد أكبر من الرحلات إلى المسار حول رأس الرجاء الصالح.

ويأتي ذلك في وقت شهدت فيه بعض الموانئ الأفريقية استثمارات في البنية التحتية وتوسعة قدراتها لاستقبال سفن أكبر، فيما يمكن أن يؤدي تغير مسارات التجارة إلى زيادة الطلب على خدمات الموانئ ومراكز إعادة الشحن والتزويد بالوقود على طول الساحل الأفريقي.

ومن بين الموانئ التي يمكن أن تستفيد من تحول جزء من الحركة البحرية موانئ تقع على المسارات الممتدة عبر المحيط الهندي والساحل الشرقي والجنوب الأفريقي، إلى جانب مراكز بحرية على الساحل الغربي يمكن أن تستقبل السفن التي تعبر الأطلسي بعد الدوران حول القارة.

ولا يعني ذلك أن الموانئ الأفريقية ستتحول تلقائياً إلى بديل كامل عن قناة السويس؛ فاختيار المسار يعتمد على نوع السفينة والحمولة والوجهة وأسعار الوقود وتكاليف التأمين والوقت الإضافي للرحلة. كما أن عودة شركات كبرى إلى استخدام البحر الأحمر يمكن أن تحد من المكاسب التي قد تحققها الموانئ الواقعة على طريق رأس الرجاء الصالح.

وفي المقابل، يمكن أن يعزز استمرار المخاطر في باب المندب أهمية الموانئ التي تقدم خدمات بحرية للسفن العابرة لمسارات أطول. ويبرز جيبوتي، على سبيل المثال، باعتباره مركزاً قريباً من المضيق، مع إمكانية الاستفادة من نشاط التزود بالوقود والخدمات البحرية، حتى في ظل استمرار المخاطر الأمنية في المنطقة.

وبذلك، لا تقتصر تداعيات التوتر في باب المندب على حركة السفن داخل البحر الأحمر، بل تمتد إلى خريطة الموانئ والخدمات البحرية على طول السواحل الأفريقية. وكلما طال أمد اضطراب الممر، زادت أهمية الخيارات البديلة أمام شركات النقل، فيما يبقى حجم استفادة الموانئ الأفريقية مرتبطاً بمدى استمرار تحويل السفن إلى الطرق المحيطة بالقارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى