أخبــاربلاد المهجر

بكين تحاصر تايوان.. تدريبات صينية تحاكي عزل الجزيرة

حذّرت وزارة الدفاع التايوانية من أن التدريبات العسكرية الصينية تشهد تركيزاً متزايداً على سيناريوهات عزل تايوان والسيطرة على الممرات الجوية والبحرية المؤدية إليها، معتبرة أن ذلك يعكس تطوراً في طبيعة الاستعدادات العسكرية لبكين.

وجاء ذلك في «تقرير القوة العسكرية الصينية لعام 2026» الذي قدمته وزارة الدفاع التايوانية إلى المجلس التشريعي، بالتزامن مع خططها لتطوير القوات خلال السنوات الخمس المقبلة ومشروع موازنة الدفاع للعام المقبل.

وبحسب التقرير، تركز تدريبات جيش التحرير الشعبي بصورة متزايدة على عمليات تصفها تايبيه بـ«الحصار والسيطرة المشتركة» للممرات الجوية والبحرية المؤدية إلى الجزيرة، إلى جانب محاكاة إجراءات للحجر الصحي البحري، والضربات المشتركة، وفرض السيطرة على ساحة المعركة، فضلاً عن عمليات الإنزال البرمائي.

تدريبات تحاكي عزل الجزيرة

وقالت وزارة الدفاع التايوانية إن المناورات الصينية باتت تتضمن سيناريوهات تتجاوز التدريبات التقليدية، وتشمل محاكاة عمليات تهدف إلى عزل الجزيرة وتعطيل خطوط الإمداد الخارجية.

وتتضمن السيناريوهات، وفق التقرير، تدريبات على الحصار الجوي والبحري، وتنفيذ إجراءات ذات طابع عسكري وقانوني، إلى جانب استخدام الذخيرة الحية في تدريبات تحاكي ضربات بعيدة المدى.

وترى تايبيه أن هذه الأنشطة يمكن أن تعزز قدرة الجيش الصيني على تنفيذ عمليات «منع الوصول ومنع دخول المنطقة»، بما قد يحد من قدرة قوات أجنبية على التدخل في حال اندلاع مواجهة.

وتشير الوزارة كذلك إلى استمرار تحركات الطائرات الحربية والمسيّرات الصينية قرب مضيق تايوان، بالتزامن مع نشاط للسفن الحربية الصينية في المناطق البحرية المحيطة بالجزيرة.

تايوان تستعد لسيناريو الحصار

وفي المقابل، بدأت تايوان إدراج سيناريو الحصار ضمن تدريباتها الدفاعية بصورة أكثر وضوحاً.

وخلال مناورات «هان كوانغ» السنوية، التي تعد الأكبر من نوعها في تايوان، ركزت بعض التدريبات على كيفية التعامل مع سيناريوهات الحصار أو القيود المفروضة على حركة الملاحة البحرية.

وافترض أحد السيناريوهات تعرض الموانئ الغربية وطرق الملاحة الرئيسية للعرقلة، مع الاعتماد على الساحل الشرقي باعتباره مساراً بديلاً لدخول المساعدات والإمدادات الحيوية.

كما اختبرت تايوان قدرة خفر السواحل على العمل ضمن منظومة القيادة والسيطرة البحرية، إلى جانب استخدام كاسحة ألغام لتطهير مسار شحن افتراضي.

وشاركت سفن تابعة للبحرية وخفر السواحل في تأمين منطقة إنزال جرى استخدامها لمحاكاة وصول سفينة تجارية محملة بإمدادات أساسية.

وامتدت التدريبات إلى القوات البرية، التي تدربت على تأمين الموانئ الشرقية، فيما استُخدمت شاحنات مدنية ومعدات موانئ لمحاكاة عمليات تفريغ الإمدادات ونقلها إلى المناطق الداخلية في حال تعطل طرق الإمداد الرئيسية.

الاقتصاد يدخل حسابات المواجهة

لم تقتصر الاستعدادات التايوانية على الجانب العسكري، بل شملت كذلك خططاً للحفاظ على النشاط الصناعي واللوجستي في حال تعرض الجزيرة لهجوم أو حصار.

وتضمنت بعض السيناريوهات نقل جزء من الإنتاج الدفاعي بعيداً عن المناطق التي قد تتعرض للقصف، إلى جانب الاستفادة من منشآت مدنية لإنتاج طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة.

ويعكس ذلك تصوراً تايوانياً لاحتمال مواجهة طويلة الأمد، لا تعتمد فقط على قدرة القوات المسلحة على القتال، بل تشمل أيضاً استمرار الإنتاج الصناعي، وتأمين الإمدادات، وتشغيل الموانئ وشبكات النقل.

وفي هذا الإطار، قالت وزارة الدفاع التايوانية إنها تعتزم تطوير منظومة القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والفضاء الإلكتروني والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، المعروفة اختصاراً بـ«C5ISR».

كما تخطط تايبيه لتوسيع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في دعم عمليات اتخاذ القرار العسكري وتسريع تحليل المعلومات المتعلقة بالتحركات الصينية.

الغزو الشامل لا يزال معقداً

ورغم تركيز التدريبات الصينية على الحصار والإنزال البرمائي، تقول وزارة الدفاع التايوانية إن قدرة جيش التحرير الشعبي على تنفيذ عملية إنزال واسعة النطاق لا تزال تواجه تحديات.

ويتطلب أي هجوم شامل على الجزيرة، وفق التقييم التايواني، تنفيذ عمليات إنزال في أكثر من موقع، بالتوازي مع تأمين التفوق الجوي والبحري وضمان تدفق القوات والمعدات والإمدادات عبر مضيق تايوان.

وتشكل هذه العمليات تحدياً عسكرياً كبيراً نظراً إلى طبيعة الجزيرة الجغرافية، والحاجة إلى نقل أعداد كبيرة من القوات والمعدات عبر البحر، مع تعرض القوات المهاجمة لنيران المدافعين.

ويرى باحثون تايوانيون أن الصعوبات المرتبطة بالغزو الشامل لا تعني بالضرورة تراجع أهمية سيناريو الحصار.

وقال الباحث تشيه تشونغ إن تقرير وزارة الدفاع التايوانية لهذا العام أولى اهتماماً أكبر من العام الماضي لعمليات الإنزال البرمائي المشتركة، معتبراً أن ذلك قد يعكس توسع نطاق الاستعدادات الصينية لسيناريوهات عسكرية محتملة.

وأضاف أن مناورات «هان كوانغ» وفرت اختباراً لمجموعة من الإجراءات متعددة المجالات للتعامل مع سيناريو الحصار.

معركة الممرات قبل الإنزال؟

وتشير هذه التطورات، وفق القراءة التايوانية، إلى أن أي مواجهة محتملة حول تايوان قد لا تبدأ بالضرورة بعملية إنزال واسعة، بل يمكن أن تتخذ في مراحلها الأولى شكل عمليات للضغط على الجزيرة وتعطيل خطوط إمدادها.

وقد يشمل ذلك، في حال تصاعد الأزمة، استخدام مزيج من القوات البحرية والجوية وخفر السواحل والصواريخ والطائرات المسيّرة لفرض قيود على حركة الملاحة والتجارة، من دون الانتقال مباشرة إلى عملية غزو شامل.

وفي المقابل، تعمل تايوان على تعزيز قدرتها على الحفاظ على تدفق السلع والطاقة والمساعدات عبر موانئها، إلى جانب تطوير قدراتها في الدفاع الجوي والبحري والقيادة والسيطرة.

وتأتي هذه الاستعدادات في ظل استمرار الخلاف بين بكين وتايبيه؛ إذ تعتبر الصين تايوان جزءاً من أراضيها ولا تستبعد استخدام القوة لتحقيق الوحدة، بينما ترفض السلطات في تايوان الخضوع لسيطرة بكين.

كما ترفض الولايات المتحدة أي تغيير قسري لوضع الجزيرة، وتواصل توفير وسائل دفاعية لتايوان، ما يجعل أي تصعيد عسكري حول المضيق قابلاً للتحول إلى أزمة تتجاوز طرفي النزاع.

وبينما لا تزال سيناريوهات الغزو الشامل موضع تقييم، فإن التركيز المتزايد في التدريبات الصينية والتايوانية على الممرات البحرية والجوية وخطوط الإمداد يضع سيناريو عزل الجزيرة والحصار في صدارة الحسابات العسكرية المتعلقة بمستقبل التوتر عبر مضيق تايوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى