بعد سباق محموم.. عمالقة الذكاء الاصطناعي يعيدون حساباتهم

يشهد الخطاب داخل قطاع الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون تحولاً، مع دعوات من عدد من قادة الشركات إلى إبطاء وتيرة تطوير النماذج الأكثر تقدماً، بالتزامن مع نقاش متزايد حول قدرة الشركات والحكومات على وضع معايير للسلامة تواكب التطور السريع لهذه التقنيات.
وبرز هذا التوجه بعد دعوة الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، إلى اعتماد «وتيرة أكثر انضباطاً» في تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم، بحيث تتواكب إجراءات السلامة مع تطور قدرات النماذج.
وحظيت الدعوة بتأييد شخصيات بارزة في القطاع، من بينها الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي سام ألتمان، والرئيس التنفيذي لشركة غوغل ديب مايند ديميس هاسابيس، وإيلون ماسك.
وقال ألتمان إنه يتفق مع ضرورة إبطاء وتيرة تطوير التقنيات المتقدمة، بينما أيد هاسابيس فكرة إنشاء هيئة تضع معايير مشتركة للذكاء الاصطناعي المتطور.
تعاون بين الشركات
ولا يقتصر النقاش على التصريحات، إذ تجري أوبن إيه آي وأنثروبيك وغوغل ديب مايند محادثات بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي، تتناول أفكاراً من بينها التعاون في وضع معايير للسلامة والاستعانة بجهات تقييم مستقلة لفحص النماذج المتقدمة.
ويطرح هذا التعاون تساؤلات حول إمكانية تنسيق الشركات المتنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي لتحديد معايير مشتركة ووتيرة أكثر تحفظاً لتطوير التقنيات.
ومن بين المقترحات المطروحة إنشاء هيئة جديدة للسلامة والمعايير، إضافة إلى بحث ترتيبات قانونية تسمح للشركات بالتعاون في بعض ملفات السلامة دون مخالفة قواعد المنافسة.
وفي المقابل، يثير أي تعاون واسع بين الشركات الكبرى مخاوف مرتبطة بالمنافسة، إذ يرى منتقدون أن المعايير الجديدة قد ترفع تكاليف تطوير النماذج وتزيد من قدرة الشركات الكبرى على التأثير في قواعد السوق.
وقد تواجه الشركات الناشئة والمشروعات مفتوحة المصدر صعوبة أكبر في الالتزام بمعايير مرتفعة التكلفة أو معقدة، ما يفتح نقاشاً حول التوازن بين متطلبات السلامة والحفاظ على المنافسة في القطاع.
السلامة في مواجهة المنافسة
ويرى مؤيدو تباطؤ التطوير أن المخاطر المحتملة لبعض أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة تستدعي إجراءات تتجاوز الاعتبارات التجارية، بما في ذلك تعزيز الرقابة وإجراء اختبارات أكثر صرامة قبل إطلاق النماذج المتطورة.
وتشمل المقترحات أيضاً الاستعانة بجهات مستقلة لمراقبة أداء المختبرات والشركات، وإخضاع النماذج الأكثر تقدماً لاختبارات سلامة قبل إتاحتها على نطاق واسع.
لكن النقاش يرتبط كذلك بالمنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، إذ يثير إبطاء الشركات الأمريكية لتطوير أنظمتها، في وقت تواصل فيه دول أخرى الاستثمار في هذا المجال، تساؤلات حول انعكاسات ذلك على التنافس التكنولوجي والأمن القومي.
وأشار أمودي إلى أن أي ترتيبات عالمية تهدف إلى الحد من سرعة تطوير الذكاء الاصطناعي ستكون أكثر تعقيداً في حال عدم مشاركة الدول المنافسة فيها.
مواقف مختلفة داخل القطاع
ولا يتفق جميع قادة شركات التكنولوجيا على ضرورة وضع اتفاق جماعي بشأن وتيرة التطوير.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، مارك زوكربيرج، إن شركات الذكاء الاصطناعي لديها حوافز تدفعها إلى تطوير أنظمتها بأمان، وإن بإمكان كل شركة اتخاذ قراراتها بصورة منفردة عندما تقتضي اعتبارات السلامة ذلك.
وفي المقابل، حذر الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، جينسن هوانغ، من أن إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في القدرة التنافسية الأمريكية.
وبذلك يتركز النقاش داخل القطاع على سرعة تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، والجهات التي ينبغي أن تحدد حدود هذه السرعة، إلى جانب طبيعة المعايير المطلوبة لضمان سلامة النماذج المتقدمة.
وتواصل الشركات الكبرى الاستثمار في تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي، بينما تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً متزايدة لإظهار قدرتها على إدارة المخاطر المرتبطة بهذه التقنيات.
وبين الدعوات إلى مزيد من الضوابط والتحذيرات من تأثيرها المحتمل في المنافسة، يدور النقاش حول كيفية تحقيق توازن بين استمرار الابتكار وتسريع التطوير من جهة، ووضع آليات فعالة لاختبار الأنظمة ومراقبة مخاطرها من جهة أخرى.




