أخبــاربلاد الشام

انتخابات مفصلية.. الشرعية الفلسطينية أمام الامتحان

تتجه الساحة الفلسطينية إلى استحقاق سياسي حساس في 28 تشرين الثاني المقبل، مع الموعد المفترض لإجراء انتخابات المجلس التشريعي، وسط شكوك متزايدة بشأن إمكانية إجرائها في ظل تعقيدات تتعلق بالتصويت في القدس الشرقية، والصعوبات اللوجستية في قطاع غزة، والانقسام السياسي الداخلي.

ويأتي هذا الاستحقاق بعد سنوات طويلة من غياب الانتخابات العامة على المستوى الوطني، ما يمنحه أهمية سياسية خاصة، خصوصاً في ظل استمرار أزمة الشرعية التي تواجه المؤسسات الفلسطينية وتراجع الثقة بالقوى السياسية التقليدية.

مخاوف من تكرار سيناريو 2021

تتزايد المخاوف من احتمال تأجيل الانتخابات أو إلغائها مجدداً، كما حدث في أيار 2021، عندما قرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس عدم إجرائها.

وتدور أبرز المبررات المحتملة حول مستقبل التصويت في القدس الشرقية، والصعوبات المرتبطة بتنظيم الاقتراع في قطاع غزة، إلى جانب الحسابات السياسية الداخلية، خصوصاً مع احتمال أن تؤدي الانتخابات إلى نتائج لا تتوافق مع مصالح القوى المسيطرة على المشهد السياسي منذ سنوات.

ويرى مراقبون أن هذه التحديات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لمنع الفلسطينيين من اختيار ممثليهم، في ظل استمرار حالة الجمود السياسي وغياب آلية ديمقراطية منتظمة لتجديد القيادة.

أزمة شرعية وانقسام سياسي

يعاني النظام السياسي الفلسطيني منذ سنوات أزمة مرتبطة بشرعية المؤسسات وآليات تجديدها، في وقت يستمر فيه الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

كما لا تزال حركتا فتح وحماس في صدارة المشهد السياسي، وسط انتقادات متزايدة لأداء المؤسسات القائمة واتهامات لها بالابتعاد عن احتياجات المواطنين وضعف المساءلة.

ويرى مؤيدو إجراء الانتخابات أن أهميتها لا ترتبط بالضرورة بالنتيجة التي ستفرزها، أو باحتمال أن تؤدي تلقائياً إلى حكومة أكثر اعتدالاً أو إلى تقدم في مسار السلام، وإنما بكونها وسيلة لتجديد الشرعية السياسية وقياس حجم التأييد الشعبي وإتاحة المجال أمام قوى جديدة.

وفي المقابل، فإن إجراء الانتخابات قد يؤدي إلى صعود قوى متشددة أو نتائج لا تتوافق مع توقعات الأطراف التقليدية، إلا أن إلغاءها يبقي عملية تجديد القيادة خارج إطار الاقتراع الشعبي.

القدس الشرقية.. العقدة الأصعب

تُعد القدس الشرقية من أبرز الملفات التي قد تعرقل تنظيم الانتخابات، في ظل القيود الإسرائيلية المفروضة منذ سنوات على النشاط السياسي الفلسطيني في المدينة.

وكانت الانتخابات السابقة قد شهدت ترتيبات خاصة للتصويت في القدس الشرقية، إلا أن مستقبل هذه الآلية في أي انتخابات مقبلة لا يزال موضع تساؤل.

ويقطن المدينة نحو 400 ألف فلسطيني، ما يجعل ضمان مشاركتهم أحد أبرز التحديات أمام أي عملية انتخابية وطنية شاملة.

وفي حال تعذر اعتماد الآليات التقليدية، تبرز مقترحات للبحث عن بدائل تضمن مشاركة سكان القدس، بما في ذلك إقامة مراكز اقتراع في مواقع لا تخضع لسيطرة إسرائيلية مباشرة، أو استخدام وسائل تصويت إلكترونية، أو الاستعانة بجهات دولية لضمان العملية الانتخابية.

وتبقى مشاركة سكان القدس مسألة سياسية وقانونية شديدة الحساسية، في ظل الخلاف المستمر حول وضع المدينة ومستقبلها.

غزة.. انتخابات وسط الدمار

ولا تقل الصعوبات في قطاع غزة تعقيداً، إذ يأتي الموعد الانتخابي المفترض بعد سنوات من الحرب والدمار والنزوح وتراجع قدرة المؤسسات العامة على العمل.

ويطرح ذلك تحديات تتعلق بتأمين مراكز الاقتراع وتسجيل الناخبين وتوفير الظروف المناسبة للتصويت، فضلاً عن استمرار الانقسام السياسي والأمني.

لكن استبعاد قطاع غزة من العملية الانتخابية سيعني عملياً إجراء اقتراع لا يشمل جميع مكونات المجتمع الفلسطيني، الأمر الذي قد يضعف شرعية نتائجه.

ويرى مؤيدو الانتخابات أن الصعوبات اللوجستية يمكن التعامل معها من خلال ترتيبات خاصة، بدلاً من استخدامها سبباً لإلغاء الاستحقاق بالكامل، خصوصاً إذا كان الهدف المعلن هو إعادة بناء نظام سياسي فلسطيني موحد.

هل تتغير الخريطة السياسية؟

إلى جانب العقبات القانونية واللوجستية، تبرز تساؤلات حول شكل الخريطة السياسية التي قد تفرزها الانتخابات.

فالمشهد الفلسطيني ظل لعقود يتمحور بصورة أساسية حول التنافس بين فتح وحماس، إلا أن الاستياء من أداء الحركتين تصاعد في السنوات الأخيرة، بالتزامن مع بروز أصوات تطالب بإعادة تشكيل الحياة السياسية.

ويشمل ذلك قطاعات من الشباب والمستقلين والإصلاحيين والنساء والناشطين المحليين وشخصيات سياسية جديدة، وسط مؤشرات على رغبة شريحة من الناخبين في تجاوز الاستقطاب التقليدي.

وفي حال ظهور قوى جديدة أو تحقيق شخصيات مستقلة وشابة نتائج لافتة، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل التوازنات داخل النظام السياسي الفلسطيني.

وبالنسبة للسلطة والقوى التقليدية، قد تحمل هذه الاحتمالات قدراً من عدم اليقين، لكن الانتخابات بطبيعتها لا تهدف إلى حماية التوازنات القائمة بقدر ما تمنح الناخبين فرصة لتغييرها.

شرعية فلسطينية مطلوبة لإدارة الملفات الكبرى

لا تقتصر أهمية الانتخابات على الداخل الفلسطيني، إذ ترتبط أيضاً بمستقبل العلاقة مع إسرائيل والمجتمع الدولي.

فالقيادة التي تستند إلى تفويض انتخابي واضح قد تكون، من الناحية السياسية، أكثر قدرة على اتخاذ قرارات صعبة وتنفيذ إصلاحات والتعامل مع الفصائل المسلحة والدخول في مفاوضات أو تطبيق اتفاقات مستقبلية.

وفي المقابل، فإن استمرار المؤسسات الحالية من دون تجديد انتخابي قد يضعف قدرتها على اتخاذ قرارات تحظى بقبول شعبي واسع.

وتزداد أهمية هذا الجانب مع أي مسار مستقبلي لإعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، والذي يتطلب وجود حكومة واحدة ونظام قانوني موحد وأجهزة أمنية خاضعة لسلطة شرعية واحدة.

الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية

يتزامن الاستحقاق الفلسطيني المفترض مع اقتراب إسرائيل بدورها من انتخابات، ما يضيف بعداً إقليمياً إلى المشهد.

وتؤثر السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالمستوطنات والوجود العسكري وحرية الحركة وعنف المستوطنين والأفق السياسي، بصورة مباشرة في النقاشات داخل الساحة الفلسطينية، كما تؤثر المواجهات والعمليات الفلسطينية والمواقف الرافضة للتسوية في اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي.

ويرى محللون أن استمرار هذا التفاعل بين الطرفين ساهم على مدى سنوات في تعزيز القوى الأكثر تشدداً لدى الجانبين، ما جعل أي محاولة لكسر دائرة التصعيد أكثر صعوبة.

ومن هذا المنطلق، قد يشكل إجراء انتخابات فلسطينية وإسرائيلية ضمن أطر ديمقراطية فرصة لإعادة تشكيل المشهد السياسي، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة تحولاً فورياً نحو التسوية.

دعوات لدعم العملية الانتخابية

ومع اقتراب الموعد المفترض، تتجه الدعوات إلى المجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة والدول الأوروبية والعربية، لدعم إجراء الانتخابات وتوفير المساعدة التقنية واللوجستية اللازمة.

وتشمل المقترحات مساعدة السلطات الانتخابية في التعامل مع تحديات غزة والقدس الشرقية، وإرسال مراقبين دوليين، ودعم استقلال المؤسسات الانتخابية، والضغط من أجل عدم استخدام النفوذ السياسي الداخلي أو الخارجي لتعطيل الاقتراع.

ولا يُتوقع أن تؤدي الانتخابات، في حال إجرائها، إلى حل الأزمة الفلسطينية المعقدة بمفردها، لكنها قد تفتح الباب أمام إعادة بناء الشرعية السياسية وتجديد المؤسسات.

أما إلغاؤها، فقد يعمق أزمة الثقة ويكرس واقعاً سياسياً قائماً منذ سنوات، ويعيد طرح السؤال حول مدى قدرة النظام الفلسطيني على تجديد نفسه من خلال صناديق الاقتراع.

وبذلك، تبدو انتخابات تشرين الثاني، إذا أُجريت في موعدها، أكثر من مجرد استحقاق داخلي، إذ ستشكل اختباراً لقدرة النظام السياسي الفلسطيني على تجديد شرعيته، ولقدرة الأطراف الإقليمية والدولية على التعامل مع قيادة تستمد تفويضها من الناخبين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى