العقوبات الأميركية تستنزف احتياطيات الوقود الإيراني
احتياطيات تحت الضغط
تواجه إيران ضغوطاً متزايدة على إمدادات الوقود والاقتصاد عموماً، مع تراجع احتياطياتها إلى ما يكفي لنحو شهرين فقط، في وقت تضاعفت فيه تداعيات العقوبات الأميركية وتضررت مصافي التكرير وفقدت طهران عدداً من قنواتها التجارية والمالية الرئيسية.
وتشير تقديرات لمسؤول إيراني بارز إلى أن احتياطيات الوقود في البلاد تراجعت إلى مستويات مقلقة، في ظل صعوبات متزايدة تواجهها الحكومة في تأمين التمويل اللازم لشراء السلع والإصلاحات والحصول على العملات الأجنبية.
وفرضت واشنطن خلال الأسابيع الماضية حزمة جديدة من العقوبات استهدفت قدرة إيران على الوصول إلى السيولة وشبكات التمويل الدولية وصادرات النفط، ما زاد الضغوط على الاقتصاد الإيراني.
المصافي تحت الضغط
امتدت تداعيات العقوبات إلى قطاع الوقود، بعدما اضطرت إيران إلى استيراد البنزين عقب تعرض البنية التحتية لمصافي التكرير لأضرار بالغة.
وبحسب ثلاثة مصادر إيرانية بارزة، تواجه الحكومة صعوبات مالية تحول دون توفير الموارد اللازمة لتنفيذ الإصلاحات الضرورية في قطاع التكرير، ما يزيد الاعتماد على واردات الوقود في وقت تتراجع فيه مصادر التمويل.
حملة اقتصادية
كان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن الشهر الماضي ما وصفه بـ«عملية المنبوذ الاقتصادي»، باعتبارها حملة تهدف إلى زيادة الضغوط على طهران من خلال عقوبات وصفها بأنها الأشد في تاريخ الولايات المتحدة.
كما حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الدول التي تقدم «أي نوع من شريان الحياة» لإيران من تداعيات اقتصادية محتملة، في إطار مساعٍ لتضييق الخناق على طهران.
الالتفاف يتراجع
على مدى عقود، اعتمدت إيران على شبكة واسعة من الشركات الواجهة والسفن غير المسجلة وعمليات التهريب للحد من تأثير العقوبات.
لكن المصادر تشير إلى أن هذه الآليات أصبحت أقل فاعلية في مواجهة الحملة الأميركية الأخيرة، بينما باتت طهران تواجه تكاليف متزايدة للحفاظ على قنوات التجارة والتمويل البديلة.
وقال علي أنصاري، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة سانت أندروز في اسكتلندا، إن إيران تواجه «ضغوطاً اقتصادية شديدة جداً»، مشيراً إلى أن تراجع قدرتها على التحكم في المضائق يضيف بعداً جديداً إلى الأزمة، فيما أصبحت مسألة التفاوض أحد الخيارات المطروحة أمام طهران.
النفط في قلب الأزمة
تتعرض صادرات النفط الإيرانية لضغوط متزايدة نتيجة العقوبات الأميركية، رغم استئناف حركة النفط العالمية عبر مضيق هرمز إلى حد كبير.
وتبقى عائدات النفط المصدر الرئيسي للدخل في إيران، ما يجعل أي تراجع مستمر في الصادرات أو صعوبة في الوصول إلى العائدات النفطية عاملاً إضافياً في تعميق الأزمة الاقتصادية.
وتأتي هذه التطورات بعدما كان الاقتصاد الإيراني يعاني تدهوراً حاداً حتى قبل اندلاع الحرب. وخلال العام الماضي، تراجعت قيمة الريال الإيراني من نحو مليون ريال مقابل الدولار إلى أكثر من 2.2 مليون ريال.
تضخم وفقر
بحسب الأرقام الرسمية، بلغ متوسط التضخم خلال 12 شهراً نحو 69.9%، فيما ارتفعت أسعار السلع الأساسية، بما فيها التبغ والأغذية والمشروبات، بمعدلات تقترب من ضعف هذا المستوى.
كما ارتفع معدل البطالة إلى 9.1%، في وقت يواجه فيه العاملون ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويبلغ متوسط الراتب الشهري في إيران نحو 125 دولاراً، أي أقل من ثلث الإنفاق الأساسي للأسر، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
وتلخص موظفة في القطاع الخاص بطهران، تدعى مهناز وتبلغ 34 عاماً، حجم الضغوط المعيشية بقولها: «نزداد فقراً كل يوم».
الصين في الحسابات
قد تزداد صعوبة الوضع الاقتصادي الإيراني إذا اتسعت الضغوط الأميركية على الصين، التي تعد من أهم الشركاء التجاريين لطهران.
وقال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إن الصين مستعدة للتعاون مع الجهود الأميركية الرامية إلى عزل إيران عن شبكات الاقتصاد العالمي ودفعها نحو التوصل إلى اتفاق للسلام.
وأوضح فانس أنه لا يقصد أن بكين تنفذ جميع المطالب الأميركية، لكنه اعتبر أن الصين كانت «أكثر مسؤولية بكثير» من إيران ودول أخرى.
ومن المتوقع أن يحتل الدور الصيني المحتمل في تشديد العزلة الاقتصادية على إيران موقعاً بارزاً في المحادثات المرتقبة خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى البيت الأبيض نهاية الشهر الجاري.
اقتصاد يقترب من الحافة
تواجه إيران اختباراً اقتصادياً متزايداً مع تراجع احتياطيات الوقود، وتضرر قدرات التكرير، وضغوط العقوبات على النفط والتمويل والتجارة. ومع تضييق الخناق على شبكات الالتفاف التقليدية، يصبح هامش المناورة أمام طهران أضيق، فيما قد تحدد قدرة الصين على مواصلة دعم الاقتصاد الإيراني شكل المرحلة المقبلة.



