أخبــاربلاد المهجر

اختبار المنطقة الرمادية.. هل تقترب مواجهة الناتو وروسيا؟

تتعامل أجهزة أمن واستخبارات في عدد من دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» مع تصاعد العمليات الهجينة المرتبطة بروسيا باعتباره تطوراً يتجاوز اختبار ردود الفعل الغربية على المدى البعيد، إلى محاولة لقياس حدود قدرة الحلف على التعامل مع استفزازات محدودة يمكن تنفيذها دون الوصول إلى مستوى الحرب التقليدية الشاملة.

وتتركز المخاوف الأوروبية على احتمال استخدام عمليات محدودة ومدروسة لاختبار «الخطوط الحمراء» للحلف، بحيث يكون حجم الضرر أو طبيعة الهجوم كافيين لإثارة أزمة سياسية وأمنية، من دون منح الدول المستهدفة مبرراً واضحاً للانتقال مباشرة إلى مواجهة عسكرية واسعة.

لايبزيغ.. حادث أمني يختبر رد الفعل

تكتسب واقعة مطار لايبزيغ في ألمانيا أهمية خاصة في هذا السياق، بعدما عُثر في 4 أغسطس على طائرة مسيرة محملة بمتفجرات بالقرب من طائرة شحن أوكرانية في مطار لايبزيغ/هاله، الذي يعد مركزاً رئيسياً للشحن ويُستخدم كذلك في عمليات مرتبطة بالنقل العسكري الأوروبي.

وأعلنت الحكومة الألمانية في الأول من سبتمبر أن التحقيقات خلصت إلى مسؤولية روسيا عن العملية، مشيرة إلى أن الأدلة المتوافرة تفيد بأن جهات روسية وفرت المعرفة والمعدات، فيما جرى تجنيد منفذين محليين لتنفيذ العملية.

وأشارت التحقيقات أيضاً إلى العثور على طائرات مسيرة أخرى مرتبطة بالواقعة، فيما ظهرت مؤشرات قادت المحققين إلى مشتبه بهم، أحدهما روسي والآخر بيلاروسي، مع بحث صلات محتملة بأجهزة الاستخبارات العسكرية الروسية.

وبذلك، تحولت الواقعة بالنسبة إلى السلطات الألمانية من حادث أمني منفصل إلى جزء محتمل من نمط أوسع من عمليات التخريب والضغط والهجمات الهجينة التي تقول دول أوروبية إنها تستهدف البنية التحتية والدعم المقدم لأوكرانيا.

المنطقة الرمادية بين السلم والحرب

وتخشى عواصم أوروبية من توسع استخدام ما يعرف بـ«المنطقة الرمادية»، وهي عمليات تقع بين حالتي السلم والحرب، وتستخدم فيها أدوات متعددة، من بينها الطائرات المسيرة والتخريب والهجمات السيبرانية والعمليات السرية.

وفي حال ثبوت مسؤولية دولة عن مثل هذه العمليات، فإنها قد تحقق تأثيراً أمنياً وسياسياً كبيراً دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة، كما قد تتيح للجهة المتهمة مساحة للإنكار أو التشكيك في المسؤولية.

وتحذر دول أوروبية من احتمال استخدام طائرات مسيرة أو صواريخ داخل أراضي دول أعضاء في الناتو، ثم التعامل معها لاحقاً باعتبارها حوادث عرضية، بما قد يؤدي إلى إرباك آليات اتخاذ القرار داخل الحلف واختبار مدى استعداد أعضائه للتحرك بصورة جماعية.

كما تخشى دول داعمة لأوكرانيا من استهداف منشآت أو بنى تحتية مرتبطة بالنقل العسكري وإمدادات الأسلحة، في عمليات محدودة تهدف إلى الضغط السياسي والأمني دون الوصول إلى مستوى هجوم عسكري شامل.

من المسيرات إلى التوغل المحدود

لا تقتصر السيناريوهات التي تدرسها العواصم الأوروبية على عمليات الطائرات المسيرة، بل تشمل أيضاً احتمال دخول مسيرة أو صاروخ المجال الجوي لدولة عضو، أو تنفيذ أعمال تخريب ضد منشآت استراتيجية، أو استهداف مواقع مرتبطة بالنقل العسكري.

كما يبرز احتمال اختبار رد الفعل الأوروبي من خلال عمليات محدودة في المناطق الحدودية، خصوصاً في دول الجناح الشرقي للناتو، بهدف قياس سرعة اتخاذ القرار السياسي وقدرة الحلفاء على الاتفاق على طبيعة الرد.

وتضع هذه السيناريوهات الحكومات الأوروبية أمام معادلة معقدة، إذ إن تجاهل العمليات المحدودة قد يشجع على تكرارها، في حين أن الرد عليها بصورة تتجاوز حجمها قد يؤدي إلى تصعيد يصعب احتواؤه.

اختبار قوة الردع

ويشير تقييم أمني أوروبي إلى أن العمليات الهجينة قد تُستخدم لاختبار تماسك الدول المتحالفة وقدرتها على التعامل مع تهديدات تقع دون مستوى الحرب المباشرة.

وتكتسب هذه المسألة حساسية خاصة عندما تستهدف العمليات بنى تحتية أو منشآت مرتبطة بالدعم العسكري لأوكرانيا، إذ تجد الحكومات الأوروبية نفسها مطالبة بالرد مع تجنب السماح للحوادث المحدودة بالتحول إلى مواجهة مفتوحة.

ولهذا تعمل دول أوروبية على تطوير آليات للرد على عمليات التخريب والهجمات السيبرانية والتهديدات الأخرى، بما يحقق الردع من دون تجاوز عتبة الحرب التقليدية.

المادة الخامسة.. أين يبدأ الهجوم المسلح؟

يبقى السؤال الأكثر تعقيداً متعلقاً بالمادة الخامسة من معاهدة الناتو، التي تنص على أن أي هجوم مسلح ضد دولة عضو في أوروبا أو أمريكا الشمالية يعد هجوماً على جميع الدول الأعضاء.

لكن الحلف يوضح أن تحديد ما يشكل «هجوماً مسلحاً» يخضع لتقييم كل حالة على حدة، ولا يقتصر بالضرورة على الهجمات التقليدية المباشرة.

كما يقر الناتو بأن بعض الهجمات الهجينة قد تصل إلى مستوى الهجوم المسلح الذي يستدعي بحث تفعيل المادة الخامسة، فيما تبقى مسؤولية التقييم والقرار السياسي بيد الدول الأعضاء.

وبالتالي، فإن وقوع أضرار أو خسائر بشرية في دولة عضو لا يعني تلقائياً تفعيل المادة الخامسة، إذ يتعين على الحلفاء تقييم طبيعة الهجوم والجهة المسؤولة عنه وحجمه، قبل اتخاذ قرار سياسي بشأن مدى انطباق المعاهدة.

أوروبا تعيد بناء قواعد الرد

وتأتي هذه المخاوف بالتزامن مع تحركات أوروبية لتطوير أدوات أكثر سرعة للتعامل مع الهجمات التي تقع دون مستوى الحرب التقليدية.

وتشمل المقترحات المطروحة إنشاء آليات أوروبية لمواجهة التهديدات الهجينة، إلى جانب وضع إجراءات مشتركة يمكن تفعيلها في حالات التخريب والهجمات السيبرانية والتوغلات بالطائرات المسيرة.

ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لدى المؤسسات الأوروبية بأن التهديدات الأمنية الحديثة لا تظهر بالضرورة في صورة هجوم عسكري تقليدي، وإنما قد تبدأ بعملية تخريب محدودة، أو طائرة مسيرة مجهولة المصدر، أو هجوم إلكتروني يصعب تحديد طبيعته والجهة المسؤولة عنه خلال الساعات الأولى.

من لايبزيغ إلى البلطيق

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن واقعة لايبزيغ تدخل ضمن نقاش أوسع في أوروبا بشأن كيفية التعامل مع عمليات تقع على الحدود الفاصلة بين التخريب والعمل العسكري.

فإذا اقتصرت العمليات على منشآت مدنية أو لوجستية، يمكن أن تتعامل الحكومات معها عبر أجهزة الأمن والقضاء، إلى جانب العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية.

أما إذا أدت إلى خسائر بشرية واسعة، أو استهدفت منشأة عسكرية، أو ترافقت مع توغل مسلح داخل أراضي دولة عضو، فإن طبيعة الرد تصبح أكثر تعقيداً، وقد تنتقل المسألة إلى مستوى سياسي وأمني مختلف.

وتعد دول البلطيق وبولندا ورومانيا من أكثر الدول حساسية تجاه احتمالات امتداد تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية إلى أراضي الناتو، في ظل المخاوف المرتبطة باختراق المجال الجوي والطائرات المسيرة واستهداف البنية التحتية.

المرحلة المقبلة.. ردع دون حرب

يضع هذا الواقع الناتو أمام معادلة دقيقة: تعزيز الردع بما يكفي لمنع تكرار اختبار قدرات الحلف، مع تجنب تحويل كل حادث أمني إلى شرارة لمواجهة عسكرية واسعة.

وتنص عقيدة الحلف على أن مواجهة التهديدات الهجينة تدخل ضمن مسؤولياته تجاه الدول الأعضاء، فيما يبقى تحديد طبيعة الرد وقرار تفعيل المادة الخامسة مرتبطين بتقييم كل حادث على حدة وبالقرار السياسي للدول الحليفة.

وبين العمليات المحدودة والهجمات المباشرة، تبدو «المنطقة الرمادية» مساحة متزايدة الحساسية في العلاقة بين روسيا والناتو، حيث قد تتحول حادثة أمنية صغيرة إلى اختبار حقيقي لقدرة الحلف على الردع واحتواء التصعيد في الوقت نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى