ألمانيا وإسبانيا في مواجهة حول موازنة الاتحاد الأوروبي

دخلت ألمانيا وإسبانيا في مواجهة سياسية ومالية بشأن موازنة الاتحاد الأوروبي للفترة بين 2028 و2034، وسط تباين واضح حول حجم الإنفاق، وسداد الديون المشتركة، وآليات تمويل أولويات الدفاع والتنافسية والزراعة والسياسات الاجتماعية.
وتجري المفاوضات على إطار مالي تقترب قيمته من تريليوني يورو، فيما تسعى الدول الأعضاء إلى التوصل لاتفاق قبل نهاية عام 2026، وسط مخاوف من أن تؤدي الانتخابات المرتقبة في عدد من الدول الأوروبية إلى تعقيد المفاوضات وتأخير اعتماد الإطار الجديد.
مدريد تطالب بموارد أكبر
وتدفع إسبانيا باتجاه زيادة الموارد المتاحة للموازنة الأوروبية، إذ دعا وزير الاقتصاد الإسباني كارلوس كويربو إلى رفع حجم الموازنة إلى ما يعادل 2% من الدخل القومي الإجمالي للاتحاد، معتبراً أن حجمها ينبغي أن يتناسب مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه أوروبا.
واقترحت مدريد كذلك إعادة تنظيم جدول سداد ديون برنامج «الجيل القادم من الاتحاد الأوروبي»، الذي أُطلق عقب جائحة كورونا، بهدف توفير مساحة مالية إضافية للإنفاق والاستثمارات الأوروبية.
ووفق تقديرات إسبانية، يمكن لإعادة جدولة السداد أن توفر نحو 11 مليار يورو سنوياً، وما يصل إلى 70 مليار يورو خلال الفترة الممتدة بين 2028 و2034.
وترى مدريد أن هذه الخطوة يمكن أن تتيح هامشاً مالياً للاستثمارات الاستراتيجية، في وقت تواجه فيه الحكومات الأوروبية ضغوطاً متزايدة على مالياتها العامة.
أولويات متنافسة
وتحاول إسبانيا الجمع بين الحفاظ على السياسات التقليدية للاتحاد، ولا سيما دعم الزراعة والاستقرار الاجتماعي، وتمويل أولويات جديدة تشمل الدفاع والتنافسية وتعزيز القطاع الزراعي.
وترى الحكومة الإسبانية أن تقليص الموازنة لن يكون كافياً للتعامل مع التحديات الاقتصادية والأمنية المقبلة، في ظل الحاجة إلى زيادة الاستثمارات في قطاعات استراتيجية.
برلين تدفع نحو الخفض
في المقابل، تقود ألمانيا مجموعة من الدول المساهمة الصافية في موازنة الاتحاد الأوروبي، وتدفع باتجاه خفض الإنفاق وإعادة ترتيب الأولويات.
وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن إضافة كل أولوية جديدة إلى الالتزامات القائمة ثم تحميل دافعي الضرائب تكلفتها لا يمثل حلاً مناسباً، مؤكداً ضرورة إجراء إصلاحات وضبط حجم الموازنة.
ويرفض الموقف الألماني اللجوء إلى المزيد من الديون المشتركة، مع التركيز على خفض الإنفاق وإعادة توجيه الموارد نحو المجالات التي تعتبرها برلين أكثر إلحاحاً، وعلى رأسها التنافسية والقدرات الدفاعية.
مئات المليارات
وطالب ميرتس بخفض مقترح المفوضية الأوروبية للإطار المالي بمئات المليارات من اليورو، محذراً من أن زيادة الإنفاق الأوروبي بنحو 60% في وقت تواجه فيه الدول الأعضاء نفسها ضغوطاً مالية ستكون صعبة التمويل والتبرير.
وتسعى برلين في الوقت نفسه إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، بحيث تحصل قطاعات الدفاع والتنافسية على مساحة أكبر ضمن الموازنة الجديدة، بدلاً من توسيع حجم الإطار المالي بشكل كبير.
مفاوضات مستمرة
وفي ظل التباين بين مواقف الدول الأعضاء، يواصل رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا مشاوراته بهدف تقريب وجهات النظر والتوصل إلى صيغة يمكن أن تحظى بقبول الدول المساهمة والدول المستفيدة على حد سواء.
وتستعد الرئاسة الأيرلندية لمواصلة المفاوضات خلال الأشهر المقبلة، على أمل التوصل إلى اتفاق قبل نهاية 2026، بما يسمح ببدء تنفيذ الإطار المالي الجديد في كانون الثاني 2028.
معركة على أولويات أوروبا
ويكشف الخلاف الألماني الإسباني عن معضلة أوسع تواجه الاتحاد الأوروبي: كيفية تمويل احتياجات متزايدة في الدفاع والتنافسية والاستثمار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سياسات الزراعة والتماسك الاجتماعي، من دون تحميل الدول الأعضاء أعباء مالية إضافية.
ومع اقتراب موعد إقرار الموازنة الجديدة، ستتركز المفاوضات على حجم الإنفاق ومصادر تمويله وتوزيع الموارد، في مسار قد يحدد أولويات الاتحاد الأوروبي المالية خلال السنوات السبع المقبلة.




