أخبــاربلاد الجوارنبض الساعة

الممرات المائية في خطر.. هرمز يغيّر المعادلة

أعاد إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية خلال الحرب الأميركية على إيران المخاطر المرتبطة بنقاط الاختناق البحرية إلى واجهة الاهتمام، وسط تساؤلات حول احتمال دخول العالم مرحلة تتحول فيها المضائق الاستراتيجية مجدداً إلى أدوات للضغط والصراع بين الدول.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية اقتصادية كبيرة، إذ يجري نقل نحو 90% من حجم التجارة العالمية بحراً، ما يجعل تعطيل أي ممر رئيسي قادراً على إرباك سلاسل الإمداد، ورفع تكاليف الشحن والتأمين، والتأثير في أسواق الطاقة والتجارة الدولية.

ويعيد إغلاق هرمز التذكير بمرحلة تاريخية سبقت ترسيخ النظام البحري الحديث، عندما كانت السيطرة على المضائق والممرات الضيقة عنصراً أساسياً في المنافسة بين القوى الكبرى، قبل أن تتطور قواعد دولية هدفت إلى حماية حرية الملاحة وطرق التجارة.

وبحسب التحليلات المتداولة، أسفرت الحرب الأميركية على إيران، حتى وقت إعداد هذه التقديرات، عن مقتل 18 عسكرياً أميركياً، إضافة إلى عدد غير محدد من المدنيين والعسكريين الإيرانيين، فيما بلغت كلفة العمليات عشرات المليارات من الدولارات. إلا أن تداعيات إغلاق هرمز امتدت إلى الاقتصاد العالمي وحركة التجارة والطاقة.

الجغرافيا تصنع النفوذ

تقدم تجارب المضائق التركية وأوريسند نماذج تاريخية على قدرة التحكم في ممر بحري ضيق على منح دولة ما نفوذاً يتجاوز حجمها السياسي والعسكري.

فقد سيطرت الإمبراطورية العثمانية على مضيقي البوسفور والدردنيل، اللذين يشكلان ممراً أساسياً بين البحر الأسود والبحر المتوسط. ومع تراجع نفوذ الدولة العثمانية، تحولت السيطرة على هذه الممرات إلى أحد محاور التنافس بين روسيا والقوى الأوروبية.

وتصاعد هذا التنافس بعد الحروب النابليونية، وصولاً إلى حرب القرم، التي تدخلت فيها قوى أوروبية إلى جانب الدولة العثمانية لمنع روسيا من فرض سيطرتها على البوسفور.

أما مضيق أوريسند، الذي يربط بحر البلطيق ببحر الشمال، فيقدم نموذجاً آخر لتحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر نفوذ اقتصادي.

واستخدم المضيق منذ قرون ممراً لتجارة الأخشاب والحديد والنحاس والحبوب والملح والأسماك والفراء والكهرمان والأسلحة. ومنذ عام 1429، خضع لسيطرة اتحاد كالمار ثم الدنمارك، التي فرضت رسوماً على السفن العابرة تراوحت بين 1 و2% من قيمة حمولاتها.

ووصلت عائدات هذه الرسوم في عام 1625 إلى نحو ثُمن دخل الدولة الدنماركية، ما وفر للملك كريستيان الرابع مورداً مالياً مستقلاً استخدمه لتمويل تدخل بلاده في حرب الثلاثين عاماً.

هرمز والحرس الثوري

تثير التطورات المرتبطة بمضيق هرمز تساؤلات أيضاً حول الجهة التي يمكن أن تستفيد من النفوذ الاقتصادي والمالي الناتج عن التحكم في حركة الملاحة، وما إذا كانت هذه الموارد ستبقى تحت إدارة مؤسسات الدولة الإيرانية أم ستعزز نفوذ الحرس الثوري.

ويحتل الحرس الثوري موقعاً بارزاً داخل بنية السلطة الإيرانية، ويعمل إلى جانب القوات المسلحة النظامية، كما يرتبط بملفات عسكرية استراتيجية، بينها برنامج الصواريخ الباليستية، ويمتلك شبكة واسعة من الأنشطة والمصالح الاقتصادية.

وتشير التقديرات إلى أن نفوذ الحرس الثوري داخل مؤسسات الدولة كان يتوسع قبل عام 2026، قبل أن تزداد أهميته خلال الحرب الأخيرة.

وفي حال تحول التحكم بحركة الملاحة في هرمز إلى مصدر إيرادات مستقل، فقد يمنح ذلك الحرس الثوري موارد إضافية لتمويل أنشطته العسكرية ودعم حلفاء إيران في المنطقة، مع تقليص اعتماده على المؤسسات الأخرى داخل منظومة صنع القرار.

وقد يؤدي استمرار هذا الاتجاه إلى تعزيز الدور السياسي والاقتصادي للمؤسسة العسكرية داخل النظام الإيراني، على حساب المؤسسات الأخرى.

كيف حُيّدت الممرات؟

بدأت القوى البحرية الكبرى خلال القرن التاسع عشر في وضع ترتيبات تهدف إلى الحد من استخدام الممرات الاستراتيجية في الصراعات العسكرية.

وفي عام 1841، نظمت اتفاقية لندن للمضائق مرور السفن الحربية عبر المضائق التركية، في إطار ترتيبات ارتبطت بالتنافس بين بريطانيا وروسيا.

وفي مضيق أوريسند، رفضت الولايات المتحدة عام 1856 مواصلة دفع الرسوم المفروضة على سفنها، ما دفع الدنمارك إلى عقد مؤتمر انتهى إلى ترتيبات جديدة لتنظيم الملاحة.

وتطورت هذه المبادئ لاحقاً ضمن القانون الدولي، وصولاً إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي نظمت حقوق الملاحة والمرور عبر المياه الإقليمية والمضائق الدولية.

وبعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت الولايات المتحدة القوة البحرية الرئيسية التي تضمن أمن جزء كبير من طرق التجارة الدولية، وساهم ذلك في ترسيخ حرية الملاحة باعتبارها عنصراً أساسياً في الاقتصاد العالمي.

من باب المندب إلى بحر البلطيق

تتمثل المخاوف الحالية في احتمال تحول أزمة هرمز إلى نموذج تستخدمه دول أو جماعات تسيطر على ممرات استراتيجية للضغط السياسي والعسكري.

ويبرز باب المندب باعتباره أحد أكثر الممرات حساسية، في ظل قدرة الحوثيين المتحالفين مع إيران على تهديد حركة السفن بين بحر العرب والبحر الأحمر، والطريق المؤدي إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية.

وفي أوروبا، قد تستعيد الممرات المرتبطة بروسيا أهمية أكبر في الحسابات الأمنية. ومن بين السيناريوهات المطروحة احتمال أن يؤدي إغلاق خليج فنلندا من جانب فنلندا وإستونيا إلى عرقلة صادرات النفط الروسية عبر هذا المسار، إضافة إلى تعقيد خطوط الإمداد المرتبطة بمنطقة كالينينغراد.

كما يمكن أن تستعيد المضائق التركية وأوريسند أهميتهما الاستراتيجية في حال اتساع نطاق أي مواجهة بين روسيا والدول الأوروبية.

وتشير هذه التطورات إلى احتمال حدوث تحول أوسع في النظام الدولي، مع تراجع القدرة على ضمان حرية الملاحة في بعض المناطق وعودة نقاط الاختناق البحرية إلى صدارة المنافسة بين القوى.

ورغم التطور الكبير الذي شهدته الصواريخ والطائرات المسيّرة والقوة الجوية، لا تزال الجغرافيا عاملاً أساسياً في تحديد موازين القوة. فالمضائق التي لعبت دوراً في رسم مسارات التجارة والحروب على مدى قرون لم تفقد أهميتها، وقد تتحول مجدداً إلى نقاط تتقاطع عندها الحسابات العسكرية مع مصالح الاقتصاد العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى