اختبار الجواسيس.. من يتفوق على الموساد؟

كشف تقرير فرنسي عن تصنيف لأجهزة الاستخبارات الأوروبية، استند إلى آراء عشرات العاملين الحاليين والسابقين في هذا المجال، ووضع جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني في المرتبة الأولى، يليه جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي، بينما جاءت هولندا في المركز الثالث.
وشارك في إعداد التقييم 60 مسؤولًا وعميلًا حاليًا وسابقًا من 25 جهاز استخبارات، بينهم 16 شخصًا تولوا أو ما زالوا يتولون مناصب قيادية في أجهزة استخباراتية. وطُلب من المشاركين تقييم الأجهزة التي يرونها الأكثر كفاءة، وتلك التي يفضلون تجنب التعاون معها.
ولم تشمل الدراسة إسرائيل رسميًا، إلا أن رئيسًا سابقًا لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي شارك في التحقيق وتحدث عن تقييمات أجهزة الاستخبارات الأوروبية لنظيراتها حول العالم.
3 معايير لتقييم أجهزة الاستخبارات
اعتمد التصنيف على ثلاثة مجالات رئيسية لتقييم أداء الأجهزة، شملت القدرة على تجنيد مصادر داخل مراكز صنع القرار واختراق المؤسسات المهمة، وتنفيذ العمليات السرية، بما في ذلك التخريب والاغتيالات، إلى جانب جمع المعلومات والقدرات السيبرانية ومراقبة الاتصالات المشفرة.
وبحسب التقرير، تعد القدرة على بناء مصادر بشرية داخل مراكز صنع القرار من أكثر الأدوات الاستخباراتية قيمة، لأنها تتيح الحصول على معلومات مباشرة وفي الوقت المناسب، وقد تمنح الأجهزة قدرة أكبر على فهم القرارات قبل إعلانها.
ويرى معدو التحقيق أن التخصص في مجال محدد أو منطقة جغرافية معينة قد يمنح بعض الأجهزة ميزة تتجاوز حجمها وميزانياتها، خصوصًا عندما تمتلك شبكة مصادر أو خبرات يصعب على أجهزة أخرى تطويرها بالسرعة نفسها.
بريطانيا في الصدارة
تصدّر جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني التقييم الأوروبي، مع إشادة بقدرته على تطوير شبكات واسعة من المصادر البشرية والوصول إلى معلومات من داخل دول ومؤسسات ذات أهمية استراتيجية.
ويربط التقرير جانبًا من قوة الجهاز البريطاني بالاستثمار طويل الأمد في تجنيد المصادر وتطويرها، إضافة إلى امتلاكه خبرات متراكمة في العمل داخل دول مثل روسيا والصين وإيران وتركيا.
ويعتبر المشاركون في التقييم أن هذا النوع من العمل الاستخباراتي يوفر معلومات نوعية يصعب الحصول عليها بالوسائل التقنية وحدها.
فرنسا في المركز الثاني
حل جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي ثانيًا، مستفيدًا من انتشاره الجغرافي وقدرته على الجمع بين العمل الاستخباراتي البشري والتقني والعمليات السرية.
وأشاد مشاركون بقدرة الجهاز الفرنسي على تنفيذ عمليات معقدة بصورة غير معلنة، فيما اعتبره آخرون من أبرز الشركاء الأوروبيين في مجال جمع المعلومات البشرية.
كما ارتبط التقييم الفرنسي بامتلاك باريس شبكات وعلاقات تاريخية في مناطق متعددة من العالم، ما يمنح أجهزتها الأمنية قدرة على العمل خارج نطاق القارة الأوروبية.
هولندا مفاجأة التصنيف
شكلت هولندا إحدى أبرز مفاجآت التصنيف بعدما جاءت في المرتبة الثالثة، متقدمة على أجهزة تابعة لدول أوروبية أكبر من حيث السكان والقدرات الاقتصادية.
ويربط التقرير هذا الموقع بالقدرات التقنية المتقدمة للاستخبارات الهولندية، إلى جانب التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة وأجهزة استخبارات غربية أخرى.
كما أشار إلى مشاركة هولندا في عمليات سيبرانية معقدة، بما في ذلك عمليات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، ما يعكس أهمية الجانب التقني في بناء القدرات الاستخباراتية الحديثة.
ألمانيا وأوكرانيا
جاءت ألمانيا في المركز الخامس، مع تقييمات متباينة بشأن أداء أجهزتها. وانتقد بعض المشاركين ما وصفوه بطابع بيروقراطي يحد من سرعة العمل الاستخباراتي، في مقابل تقارير أشارت إلى امتلاك الأجهزة الألمانية قدرات تقنية متقدمة في مجال جمع المعلومات.
في المقابل، حصلت أوكرانيا على تقدير مرتفع، ويربط التقرير ذلك بالخبرات التي اكتسبتها أجهزتها خلال الحرب، خصوصًا في مجال العمليات السرية وجمع المعلومات والقدرات السيبرانية.
كما حظيت أجهزة استخبارات دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق بتقدير ملحوظ، في ظل تركيزها على مواجهة التهديدات الروسية، بينما حصلت بولندا على تقييم جيد مع ملاحظات بشأن تأثير السياسة الداخلية في عمل أجهزتها.
الولايات المتحدة والموساد خارج التصنيف
ورغم تركيز الدراسة على أجهزة الاستخبارات الأوروبية، تناول معدو التحقيق تقديرات أوسع بشأن الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقال أحد معدي التقرير إن الولايات المتحدة كانت ستتصدر أي تصنيف عالمي، بالنظر إلى انتشارها الواسع وقدراتها التقنية والبشرية وحجم الموارد التي تمتلكها.
أما جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، فلم يكن ضمن قائمة الأجهزة التي خضعت للتقييم الرسمي، لكن أحد معدي التحقيق رأى، استنادًا إلى تقييمه الشخصي، أنه كان سيحتل مرتبة متقدمة عالميًا، ربما الثانية أو الثالثة.
ويعزو هذا التقدير إلى القدرات الإسرائيلية في مجال الاستخبارات البشرية والعمل الميداني والعمليات السرية، إضافة إلى التطور في مجال الأمن السيبراني.
إخفاق أمني لا يلغي القدرات العملياتية
وأثار أداء الاستخبارات الإسرائيلية عقب هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 نقاشًا بشأن قدرة الأجهزة على رصد التهديدات مسبقًا، إلا أن معد التحقيق ميّز بين الإخفاق في التنبؤ بالهجوم وبين القدرات العملياتية التي أظهرتها الأجهزة لاحقًا.
ويرى أن أحداث السنوات الأخيرة قدمت درسًا أوسع لأجهزة الاستخبارات، يتعلق بأهمية التنسيق بين المؤسسات الأمنية والمستوى السياسي، باعتبار أن امتلاك قدرات متقدمة في جمع المعلومات لا يضمن وحده اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.
القوة الاستخباراتية لا تقاس بالميزانية فقط
ويظهر التصنيف أن تقييم أجهزة الاستخبارات لا يعتمد بصورة مباشرة على حجم الدولة أو ميزانيتها، بل على مجموعة من العوامل تشمل جودة المصادر البشرية، والقدرات التقنية، والانتشار الجغرافي، والتخصص في مجالات محددة، والقدرة على تنفيذ عمليات معقدة بسرية.
ومع توسع دور التكنولوجيا والذكاء السيبراني إلى جانب التجسس التقليدي، تبدو المنافسة بين أجهزة الاستخبارات أكثر ارتباطًا بالقدرة على الجمع بين الأدوات البشرية والتقنية، بدل الاعتماد على وسيلة واحدة للحصول على المعلومات.




