تعيين مفاجئ يغيّر حسابات الحرس الثوري

تشهد منظومة القرار الأمني في إيران تغييراً لافتاً بعد تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، في خطوة قد تنعكس على إدارة الملفات الأمنية والعسكرية ومسار التفاوض مع الولايات المتحدة، وسط تقديرات بأن القرار يعزز حضور الحرس الثوري في واحدة من أهم مؤسسات صنع القرار في البلاد.
وبحسب تقارير إعلامية، أُعلن الأحد تعيين رضائي خلفاً لمحمد باقر ذو القدر، ليعود أحد أبرز القادة السابقين في الحرس الثوري إلى موقع متقدم داخل منظومة الأمن القومي الإيرانية.
ويتمتع رضائي بخبرة طويلة داخل المؤسسة العسكرية، إذ تولى قيادة الحرس الثوري خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، كما خاض لاحقاً مساراً سياسياً تضمن ترشحه للانتخابات الرئاسية عدة مرات.
ويكتسب منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي أهمية خاصة، نظراً إلى ارتباطه بملفات الأمن والدفاع والسياسة الخارجية، فضلاً عن دوره في رسم المواقف الإيرانية تجاه الولايات المتحدة وإدارة الأزمات الإقليمية.
تعزيز نفوذ الحرس الثوري
ويرى محللون أن اختيار رضائي قد يعكس اتجاهاً نحو تعزيز نفوذ التيار المرتبط بالحرس الثوري داخل دوائر القرار، خصوصاً في ظل استمرار التوتر مع الولايات المتحدة وتصاعد الملفات الأمنية التي تواجهها طهران.
وقال الباحث المتخصص في الشؤون الأمنية الإيرانية حميد رضا عزيزي إن تعيين رضائي يشير إلى تعزيز موقع التيارات الأكثر تشدداً داخل النظام، معتبراً أن الخطوة تعكس استمرار الاعتماد على شخصيات من الجيل السابق للمؤسسة الأمنية بدلاً من الدفع بوجوه سياسية وعسكرية أكثر حداثة.
وفي الوقت نفسه، قد يكون القرار مرتبطاً أيضاً بمحاولة إعادة ضبط التوازن بين مراكز القوى داخل القيادة الإيرانية، ولا سيما مع تنامي دور رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو أيضاً قائد سابق في الحرس الثوري، في الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن.
وكان قاليباف قد أيد في وقت سابق اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، وهو موقف أثار انتقادات من بعض التيارات الأكثر تشدداً.
رضائي وقاليباف.. تنافس محتمل
ويعتقد الباحث في شؤون الأمن الإيراني سعيد غولكار أن تعيين رضائي يمثل مؤشراً على استمرار توسع دور الحرس الثوري في عملية صنع القرار، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن ذلك لا يعني بالضرورة انتقال إيران إلى سياسة أكثر تشدداً.
ويرى غولكار أن المرحلة المقبلة قد تشهد تنافساً بين رضائي وقاليباف، في ظل امتلاك الرجلين خبرة عسكرية وطموحات سياسية سابقة، بما في ذلك خوض الانتخابات الرئاسية.
ويشير هذا التنافس المحتمل إلى أن إعادة توزيع المناصب الأمنية قد لا تكون منفصلة عن الصراع الأوسع بين مراكز النفوذ داخل النظام الإيراني، خصوصاً في ظل تعدد الجهات المؤثرة في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.
منصب حساس في توقيت دقيق
ويضم المجلس الأعلى للأمن القومي مسؤولين سياسيين وعسكريين بارزين، ويتولى تنسيق السياسات المتعلقة بالأمن القومي والدفاع والسياسة الخارجية. وعلى الرغم من أن رئيس الجمهورية يعيّن أمين المجلس رسمياً، فإن القرارات الاستراتيجية الكبرى تخضع في نهاية المطاف لتوجيهات المرشد الأعلى.
ويخلف رضائي محمد باقر ذو القدر، الذي تولى المنصب بعد مقتل أمين المجلس السابق علي لاريجاني في ضربة إسرائيلية خلال التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة.
ويأتي التغيير في وقت لا تزال فيه العلاقات بين طهران وواشنطن تواجه ملفات خلافية عدة، تشمل البرنامج النووي والعقوبات والوجود العسكري الإقليمي، إضافة إلى أمن الممرات البحرية.
وكان المجلس قد شارك في مناقشة ترتيبات مرتبطة بوقف التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، قبل أن تعود الخلافات إلى الواجهة بشأن عدد من الملفات، من بينها مستقبل الملاحة في مضيق هرمز.
وبالتالي، فإن تعيين رضائي قد يحمل أبعاداً تتجاوز تغيير شاغل منصب أمني رفيع، خصوصاً إذا أدى إلى إعادة توزيع النفوذ بين المؤسسات العسكرية والسياسية. لكن تحديد ما إذا كانت الخطوة ستقود إلى تشدد أكبر في السياسة الإيرانية أو إلى محاولة أكثر براغماتية لإدارة المواجهة مع واشنطن سيعتمد على القرارات التي ستتخذها القيادة خلال المرحلة المقبلة.




