واشنطن تراجع استراتيجيتها النووية

تفتح الولايات المتحدة أحد أكثر ملفاتها العسكرية حساسية، مع بدء مراجعة لاستراتيجيتها النووية تركز على كيفية التعامل مع سيناريوهات الاستخدام المحتمل للأسلحة النووية. وتقول واشنطن إن الخطوة تهدف إلى تعزيز الردع والحفاظ على الاستقرار ومنع انزلاق أي صراع إلى مواجهة واسعة، في وقت يتصاعد فيه النقاش بشأن دور الأسلحة النووية التكتيكية في النزاعات الإقليمية المحتملة مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا.
وأعلن وكيل وزارة الحرب الأميركية للسياسات إلبريدج كولبي، أمس الخميس، أن واشنطن تجري مراجعة لاستراتيجيتها النووية، موضحاً أن العملية “محدودة نسبياً” وتركز بصورة أكبر على قضايا مرتبطة بالاستخدام المحدد والمحتمل للأسلحة النووية.
وأكد كولبي أن الهدف الأساسي من المراجعة هو “الحفاظ على الردع والاستقرار”، وليس الدفع نحو مواجهة نووية. ويتزامن ذلك مع استراتيجية الدفاع الأميركية لعام 2026، التي تركز على كيفية إدارة صراعات محتملة مع دول تمتلك ترسانات نووية، مع تجنب تحولها إلى حروب شاملة.
وكان كولبي قد أكد في مواقف سابقة أن الوظيفة الأساسية للقوة النووية الأميركية تتمثل في ردع الحروب الكبرى، مع ضرورة امتلاك تصور واضح للتعامل مع النزاع في حال فشل الردع.
من العمليات الواسعة إلى الأولويات الدفاعية
وأشار المسؤول الأميركي إلى أن الجيش كان في مراحل سابقة منظماً بطريقة تتيح له تنفيذ عمليات واسعة، بما في ذلك عمليات تغيير الأنظمة، بينما يركز التوجه الحالي بصورة أكبر على الدفاع والوقاية، مع إعطاء الأولوية لحماية الأراضي والمصالح الأميركية وأمن الحلفاء.
وتأتي تصريحات كولبي بعد تقارير أميركية تحدثت عن إعداد استراتيجية نووية جديدة تمنح اهتماماً أكبر للأسلحة النووية التكتيكية الأقصر مدى، في حال اندلاع نزاع إقليمي مع الصين أو روسيا. ويهدف هذا التوجه، وفق التقارير، إلى توسيع الخيارات المتاحة أمام الرئيس الأميركي خلال الأزمات، من دون اللجوء مباشرة إلى الأسلحة الاستراتيجية بعيدة المدى.
وبحسب التقارير، يقود كولبي العمل على الاستراتيجية الجديدة، التي تقوم على توفير خيارات عسكرية أكثر مرونة في مواجهة خصم يمتلك أسلحة نووية، مع محاولة الحد من خطر تحول مواجهة محدودة إلى تبادل نووي واسع.
الردع مع إبقاء التصعيد تحت السيطرة
وشدد كولبي في تصريحاته العلنية على أن دراسة كيفية إدارة حرب تجري تحت “المظلة النووية” لا تعني السعي إلى خوضها. ويرى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى الجمع بين الاستعداد العسكري والقدرة على إدارة التصعيد، بما يمنع الخصم من الاعتقاد بأنه يستطيع تحقيق مكاسب عسكرية من دون تحمل تبعات.
وكان كولبي قد أوضح في آذار الماضي أن إدارة دونالد ترامب لا تعتزم إجراء مراجعة شاملة ورسمية من نوع “مراجعة الوضع النووي” التقليدية، لكنها تعمل بدلاً من ذلك على استراتيجية تركز على مجموعة محددة من التحديات. كما وضعت استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 تحديث القوات النووية وتكييفها ضمن أولوياتها الأساسية.
وتأتي هذه المراجعة في ظل تغيرات متسارعة في البيئة النووية الدولية، مع استمرار الولايات المتحدة وروسيا والصين في تحديث قدراتها، وتصاعد النقاش داخل واشنطن حول أفضل السبل لردع الخصوم النوويين من دون زيادة احتمالات استخدام هذه الأسلحة.
ويعكس هذا النقاش معادلة دقيقة تحاول الإدارة الأميركية تحقيقها، تتمثل في توسيع الخيارات العسكرية بما يعزز صدقية الردع، مع الحفاظ على ارتفاع عتبة التصعيد النووي وتجنب تحول أي نزاع إقليمي إلى مواجهة يصعب احتواؤها.




