نفط إيران تحت الحصار.. هل تقترب الخزينة من الجفاف؟

تواجه طهران ضربة جديدة في أحد أهم مصادر دخلها، مع تراجع قدرتها على تصدير شحنات جديدة من النفط الخام إلى مستويات تقترب من الصفر، في ظل استمرار القيود البحرية الأميركية التي تعرقل تحميل النفط وخروجه من الموانئ الإيرانية. ويدفع ذلك السلطات إلى خفض الإنتاج، وزيادة التخزين، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق مع تقلص تدفقات العملة الصعبة.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن صادرات الخام والمكثفات الجديدة من إيران تراجعت بصورة حادة، إذ انخفضت التحميلات من نحو 893 ألف برميل يومياً في تموز/يوليو إلى نحو 156 ألف برميل خلال النصف الأول من آب/أغسطس، قبل أن تقترب حركة الشحنات الجديدة من التوقف.
ولا تزال بين 40 و50 مليون برميل من النفط الإيراني موجودة على متن ناقلات غادرت الموانئ في وقت سابق، ما يؤخر ظهور التأثير الكامل لتراجع الصادرات على الإيرادات لأسابيع إضافية.
الخام يتكدس والإنتاج ينخفض
وتكشف مصادر إيرانية معارضة على صلة بدوائر مسؤولة في قطاع الطاقة، أن وزارة النفط أصدرت خلال الأيام الأخيرة تعليمات إلى شركة نفط المناطق الجنوبية والشركات التابعة لها لخفض الإنتاج تدريجياً في عدد من الحقول الرئيسية، بينها الأهواز ومارون وآغاجاري، إلى جانب مراجعة معدلات الضخ في غاتشاران وبعض الحقول الأصغر المرتبطة بشبكة التصدير الجنوبية.
وبحسب المصادر، تركزت التعليمات على الحقول التي تضخ كميات كبيرة من الخام إلى شبكة الأنابيب المتجهة نحو مرافق التجميع والتخزين في خوزستان ومحطة غوره، بعد ارتفاع المخزونات في هذه المواقع وتراجع قدرة شركة النفط الوطنية على تصريف الكميات بالمعدلات السابقة.
كما طلبت الوزارة تأجيل بعض خطط زيادة الإنتاج التي كانت مقررة في حقلي مارون والأهواز خلال نهاية الصيف، مع إبقاء الآبار القابلة لإعادة رفع الإنتاج في حالة جاهزية تحسباً لتحسن حركة الشحن.
وتشير المعلومات إلى أن الضغوط الأكبر ظهرت في مسار الخام الممتد من حقول خوزستان إلى محطة غوره ومنشآت التصدير، بالتزامن مع استمرار القيود على استخدام جزيرة خرج، التي كانت تاريخياً المنفذ الرئيسي لجزء كبير من صادرات النفط الإيرانية.
ودفع ذلك شركة النفط الوطنية إلى إعادة توزيع جزء من الكميات الموجودة داخل شبكة الإمداد، بدلاً من مواصلة ضخها نحو مرافق التخزين الساحلية بالمعدلات السابقة.
كما بدأت الوزارة، وفق المصادر، تحويل كميات إضافية من خام الجنوب إلى مصفاة عبادان، مع زيادة الإمدادات المتجهة إلى مصفاتي أصفهان وطهران عبر شبكة الأنابيب الداخلية، بهدف رفع إنتاج الديزل والبنزين والمنتجات الثقيلة واستهلاك كمية أكبر من الخام محلياً.
وتشمل الخطة أيضاً الاستفادة من الطاقة التخزينية المرتبطة بمصفاة عبادان ومراكز التجميع في الأهواز وغوره لتخفيف الضغط على المنشآت المرتبطة مباشرة بخطوط التصدير.
وتضيف المصادر أن وزارة النفط طلبت إعداد تقديرات منفصلة لحقول الأهواز ومارون وآغاجاري حول حجم الخفض الذي يمكن تطبيقه من دون التأثير في استقرار الآبار، في مؤشر على استعداد طهران لاحتمال استمرار القيود على التصدير لأسابيع إضافية.
وتأتي هذه الإجراءات في ظل تراجع عام لقطاع الطاقة، إذ أظهرت بيانات حديثة أن إنتاج إيران في تموز/يوليو بقي دون مستويات ما قبل الحرب بفارق كبير، بينما تراجعت الإيرادات بوتيرة أسرع من الإنتاج نفسه نتيجة صعوبة إخراج الشحنات وتحصيل قيمتها.
واشنطن تستهدف الإيرادات
ويقول مصدر أميركي مطلع على ملف العقوبات الإيرانية إن الإدارة الأميركية تركز في المرحلة الحالية على الانتقال من تعطيل قدرة طهران على شحن النفط إلى الحد من قدرتها على تحويل الصادرات السابقة إلى إيرادات متاحة للنظام.
وبحسب المصدر، تركز التقييمات الأميركية على الفجوة الزمنية بين توقف الشحنات الجديدة ووصول الأموال الناتجة عن النفط الذي جرى تصديره قبل تشديد القيود، مع توقع ظهور تأثير أوضح على السيولة الحكومية خلال الأسابيع المقبلة إذا استمرت مستويات التصدير الحالية.
ويضيف أن وزارة الخزانة الأميركية تتابع بصورة خاصة الشركات والوسطاء الذين يساعدون طهران على تحصيل عائدات المبيعات السابقة أو تحويلها إلى عملات يمكن استخدامها، فيما ترى واشنطن أن الضغط على الإيرادات سيؤثر تدريجياً في قدرة النظام على تمويل المؤسسات العسكرية والأمنية والإنفاق العام في الوقت نفسه.
وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد أقر أخيراً بتراجع التجارة الخارجية الإيرانية بنحو 35%، بالتزامن مع ارتفاع التضخم السنوي إلى 66%، في مؤشر على اتساع الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب والعقوبات.
الخزينة أمام أولويات أمنية
ويرى الباحث في الشأن الإيراني أمير اعتمادي أن تراجع عائدات النفط أصبح عاملاً مباشراً في عملية توزيع الموارد داخل الدولة، بعدما اعتمدت المؤسسات الإيرانية طوال سنوات على الإيرادات النفطية لتمويل الإنفاق العام والأجهزة العسكرية وبرامج الدعم في آن واحد.
ويشير اعتمادي إلى أن استمرار تراجع الإيرادات قد يدفع النظام إلى إعطاء الأولوية لمخصصات الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من الاحتجاجات والاضطرابات الداخلية، ما يضع الحكومة أمام خيارات أكثر صعوبة في ما يتعلق بالرواتب والدعم والاستثمارات والخدمات العامة.
ويضيف أن الأزمة الحالية قد تكون أكثر تعقيداً من موجات العقوبات السابقة، لأنها تضغط على قدرة إيران على بيع الخام نفسه، بالتوازي مع القيود المالية التي تعرقل تحصيل عائداته.
ومع استمرار هذا المسار، يُتوقع أن تتسع الفجوة بين الموارد المتاحة والتزامات الدولة، وأن تظهر انعكاساتها بصورة أكبر على الموازنة والإنفاق خلال المرحلة المقبلة.




