عقود الطاقة في سوريا.. استثمارات ضخمة وشروط غامضة

بدأ قطاع النفط والغاز السوري يستقطب اهتماماً متزايداً من شركات دولية وإقليمية خلال الأشهر الأخيرة، مع انتقال التحركات من توقيع مذكرات التفاهم إلى بحث مشاريع الاستكشاف وتطوير الحقول القائمة.
ويضع هذا التحول سوريا أمام ملف يتجاوز مجرد زيادة الإنتاج، إذ ستحدد العقود التي يجري التفاوض عليها خلال المرحلة المقبلة، لسنوات، حجم العائدات التي ستبقى داخل البلاد، وحصة المستثمرين، ومدى احتفاظ المؤسسات السورية بدورها في إدارة الموارد.
وجاءت أحدث المؤشرات في تموز، مع إعلان شركة توتال إنرجيز بحثها إمكانية إبرام عقد للاستكشاف البحري، بعد اتفاق جمعها مع قطر للطاقة وكونوكو فيليبس لإجراء مراجعة فنية للبلوك البحري رقم 3 قبالة الساحل السوري.
وأشارت الشركة إلى أن الظروف الأمنية لا تسمح لها في الوقت الراهن باستئناف العمليات البرية، ما يعكس استمرار ارتباط قرارات الاستثمار بمستوى المخاطر الأمنية داخل سوريا.
قطاع يحتاج إلى استثمارات كبيرة
يواجه قطاع النفط والغاز السوري فجوة كبيرة بين قدراته السابقة ومستويات الإنتاج الحالية. فقد بلغ إنتاج النفط قبل اندلاع الحرب نحو 380 ألف برميل يومياً، إلى جانب قرابة 900 مليون قدم مكعبة من الغاز يومياً، قبل أن يتراجع الإنتاج بشكل كبير خلال سنوات الصراع.
وتشير تقديرات متخصصة إلى أن إصلاح بعض الآبار والمنشآت يمكن أن يرفع الإنتاج على المدى القريب، لكن استعادة القطاع لطاقته السابقة تتطلب استثمارات كبيرة، وتقنيات حديثة، وإعادة تأهيل البنية التحتية، إلى جانب توفير طرق مستقرة لنقل وتصدير الطاقة.
وسبق تحرك توتال إنرجيز توقيع اتفاق في حزيران مع كونوكو فيليبس ونوفاتيرا لتطوير حقول غاز قائمة واستكشاف حقول جديدة، مع تقديرات بإمكانية إضافة نحو 4 إلى 5 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً خلال عام.
ويشير دخول شركات أميركية وأوروبية وإقليمية إلى القطاع إلى بداية تغير في خريطة الاستثمار بعد سنوات من تراجع النشاط، إلا أن زيادة عدد المستثمرين لا تحسم السؤال الأهم المتعلق بطريقة إدارة الموارد.
وتختلف عقود النفط والغاز بين نماذج الامتياز وتقاسم الإنتاج وعقود الخدمات، ولكل نموذج آليات مختلفة لاسترداد التكاليف وتوزيع الأرباح والمخاطر، إضافة إلى اختلاف مستوى سيطرة الدولة على الموارد.
المخاطر ترفع كلفة الاستثمار
وتتأثر جاذبية قطاع الطاقة السوري بعوامل تتجاوز حجم الاحتياطيات، من بينها حالة البنية التحتية، والوضع الأمني، وتوافر التمويل، وقدرة المؤسسات المعنية على إدارة القطاع.
وتقدر احتياطيات سوريا بنحو 2.5 مليار برميل من النفط و8.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز، إلا أن تحويل هذه الموارد إلى إنتاج مستقر يتطلب استثمارات واسعة وإعادة تأهيل للمنشآت وشبكات النقل.
وتعني المخاطر المرتفعة أن الشركات الراغبة في دخول السوق السورية قد تسعى للحصول على شروط تعوضها عن احتمالات التأخير أو الخسائر، سواء عبر تمديد مدة العقود أو منحها مرونة أكبر في استرداد النفقات.
ومن هنا تبرز أهمية قدرة الجانب السوري على خلق منافسة بين المستثمرين وعدم ربط تطوير القطاع بشركة واحدة أو نموذج تعاقدي محدد.
كما تكتسب سوريا أهمية إضافية مع عودة الحديث عن مشاريع الربط الإقليمي، ومن بينها خط كركوك–بانياس، الذي يمكن أن يعزز موقع البلاد كممر لنقل الطاقة من العراق إلى ساحل البحر المتوسط.
العقد أهم من اسم المستثمر
لا يرتبط مستقبل قطاع النفط السوري فقط بهوية الشركات التي ستدخل السوق، بل بالشروط التي ستحصل عليها.
فالدول التي تعيد بناء قطاعات الطاقة بعد سنوات من الاضطراب تواجه عادة حاجة كبيرة إلى التمويل والتكنولوجيا، وهو ما قد يمنح الشركات الأجنبية قوة تفاوضية أكبر عند تحديد شروط العقود طويلة الأجل.
وفي الحالة السورية، تبرز أهمية نشر تفاصيل الاتفاقات المتعلقة بنسب تقاسم العائدات، ومدد العقود، وآليات استرداد التكاليف، إضافة إلى وجود رقابة مالية وفنية واضحة على عمليات الإنتاج والاستثمار.
كما أن نقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر المحلية وربط استرداد النفقات بآليات رقابة فعالة تعد عوامل لا تقل أهمية عن حصة الدولة من الإنتاج.
فزيادة الإنتاج بصورة سريعة لا تعني بالضرورة تحقيق عائد مالي كبير للخزينة إذا ذهبت نسبة واسعة من الإيرادات في السنوات الأولى إلى تكاليف التشغيل والاسترداد.
من زيادة الإنتاج إلى إدارة الثروة
تكشف التطورات الأخيرة أن التحدي لم يعد محصوراً في العثور على شركات قادرة على إصلاح الآبار أو تطوير الحقول، بل أصبح مرتبطاً بالقواعد التي ستنظم عودة الاستثمارات إلى سوريا.
ومع وجود اهتمام من شركات دولية وإقليمية، إلى جانب بحث دمشق عن شركاء جدد للقطاع، ستصبح العقود الجديدة جزءاً من إعادة رسم العلاقة بين الدولة والمستثمرين في مجال الطاقة.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في مرحلة تحتاج فيها سوريا إلى استثمارات كبيرة لإعادة تأهيل البنية التحتية وزيادة إنتاج النفط والغاز، في الوقت الذي تسعى فيه إلى تعظيم العائد الاقتصادي من مواردها.
لذلك، قد يكون نوع العقد وشروطه وآليات الرقابة عليه أهم من اسم الشركة التي توقعه. فإعادة تشغيل القطاع تحتاج إلى رأس المال والخبرة والتكنولوجيا، لكن طريقة الحصول عليها ستحدد في النهاية مقدار القيمة التي ستبقى داخل الاقتصاد السوري بعد عودة الإنتاج.




