أخبــارتقاريرنبض الساعة

العراق في قلب الحسابات الإيرانية.. تحرك مزدوج قبل المواجهة

تدخل بغداد مرحلة حساسة مع اقتراب الموعد المحدد لحصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع تحركات إيرانية سياسية وأمنية تهدف إلى التأثير في مسار الملف ومنع تحوله إلى مواجهة داخلية مفتوحة.

وبحسب معلومات متداولة في الأوساط السياسية العراقية، حملت زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني الأخيرة إلى بغداد رسائل تتعلق بمستقبل الفصائل المسلحة وآلية تعاملها مع خطة الحكومة الخاصة بحصر السلاح.

وتشير المعلومات إلى أن قاآني أجرى اتصالات مع قيادات فصائلية، في محاولة لتنسيق المواقف السياسية والميدانية، مع التشديد في الوقت نفسه على تجنب الصدام المباشر مع الحكومة.

وجاءت الزيارة وسط مخاوف من تحرك حكومي باتجاه مناطق نفوذ الفصائل، ولا سيما جرف الصخر، التي تعد من أبرز المناطق المرتبطة بكتائب حزب الله، الأمر الذي كان يمكن أن يشكل اختباراً مباشراً لقدرة الدولة على فرض سلطتها.

رسائل تصعيدية

بعد زيارة قاآني، رفعت كتائب حزب الله سقف خطابها تجاه رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، ملوحة بالرد على أي إجراءات حكومية ضدها.

كما طرحت شروطاً مرتبطة بالوجود العسكري الأميركي والتركي ووضع قوات البيشمركة، وهي ملفات تتجاوز في جزء كبير منها قدرة الحكومة العراقية على حسمها منفردة.

ويعكس طرح هذه الملفات توجهاً نحو توسيع نطاق النقاش، بحيث لا يقتصر على مسألة حصر السلاح، بل يرتبط أيضاً بالوجود العسكري الأجنبي وترتيبات الأمن الإقليمي.

وتشير المعطيات إلى أن طهران لا تبدو مستعدة في المرحلة الحالية للتخلي عن الفصائل المسلحة العراقية باعتبارها إحدى أوراق نفوذها، خصوصاً مع استمرار احتمالات التصعيد الإقليمي.

في المقابل، لا تبدو إيران راغبة في دفع الفصائل إلى مواجهة مفتوحة مع الحكومة العراقية، خشية أن يؤدي ذلك إلى أزمة داخلية تهدد نفوذها السياسي.

لا تسليم للسلاح ولا مواجهة مفتوحة

وتقوم المقاربة الإيرانية، وفق المعطيات المتاحة، على إبقاء الفصائل في حالة استعداد، مع تجنب انتقال التوتر إلى مواجهة مباشرة داخل العراق.

ويعني ذلك الحفاظ على القدرات العسكرية، بما فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات الدعم، مع إبقاء استخدامها مرتبطاً بتطورات الصراع الإقليمي ومستوى التصعيد.

وتأتي أهمية الفصائل بالنسبة إلى طهران من كونها تمثل، إلى جانب قدراتها العسكرية، ورقة ردع يمكن استخدامها أو التلويح بها عند الضرورة، خصوصاً في حال استهداف المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة.

ومن هذه الزاوية، تكتسب مناطق مثل جرف الصخر أهمية خاصة، لأن أي دخول للقوات الحكومية إليها قد يعني انتقال ملف حصر السلاح من المسار السياسي إلى إجراءات ميدانية مباشرة.

قاليباف يدخل على خط الأزمة

في موازاة التحرك الأمني، تستعد بغداد لاستقبال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في زيارة تتناول ملفات سياسية وأمنية، بينها قضية سلاح الفصائل والتطورات الإقليمية.

وتمنح الزيارة طهران فرصة للتحرك عبر المسار السياسي بعد التحرك الأمني، في محاولة للتأثير في القوى العراقية واحتواء أي اندفاعة حكومية قبل انتهاء المهلة المحددة لحصر السلاح.

كما يُتوقع أن تحضر في المحادثات ملفات مرتبطة بالتوتر الإقليمي، ومضيق هرمز، واحتمالات تجدد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.

ماذا تريد إيران من الفصائل؟

في حال تجدد الصراع الإقليمي، قد تتدرج الأدوار المطلوبة من الفصائل العراقية من الحفاظ على قدراتها الصاروخية والمسيّرات وشبكات الإسناد، وصولاً إلى الضغط على المصالح والقواعد الأميركية أو فتح جبهة محدودة للاستنزاف، بحسب طبيعة التطورات.

لكن إبقاء هذه القدرات لا يعني بالضرورة استخدامها فوراً، إذ تبدو الأولوية الإيرانية مرتبطة بالحفاظ على الفصائل كقوة ردع كامنة يمكن اللجوء إليها عند الحاجة.

وتفسر هذه الحسابات حساسية ملف جرف الصخر، باعتبار أن دخول القوات الحكومية إلى مناطق النفوذ الفصائلي سيشكل خطوة باتجاه إخضاع البنية المسلحة بشكل مباشر لسلطة الدولة.

اختبار 30 سبتمبر

في المقابل، تتمسك حكومة الزيدي بمسار حصر السلاح بيد الدولة، مستندة إلى غطاء سياسي وقانوني يسمح لها بالانتقال إلى إجراءات أكثر صرامة بعد انتهاء المهلة المحددة في 30 سبتمبر.

لكن تنفيذ الخطة بالكامل يواجه تحديات كبيرة، في ظل امتلاك الفصائل نفوذاً سياسياً وقدرات عسكرية واقتصادية واسعة.

لذلك، قد لا يتحول موعد 30 سبتمبر إلى نقطة لنزع شامل وفوري للسلاح، بقدر ما يشكل بداية مرحلة جديدة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل، عبر تقييد الأسلحة الثقيلة والصواريخ والطائرات المسيّرة، وضبط حركة التشكيلات المسلحة، ومنع اتخاذ قرارات عسكرية خارج مؤسسات الدولة.

وهكذا تدخل بغداد الأسابيع الأخيرة قبل انتهاء المهلة أمام معادلة دقيقة: حكومة تسعى إلى تحويل حصر السلاح من شعار سياسي إلى إجراءات عملية، وفصائل ترفع سقف الضغط، وإيران تتحرك عبر مسارين متوازيين، أمني يقوده قاآني وسياسي يتقدمه قاليباف.

والنتيجة تبدو أقرب إلى محاولة الحفاظ على نفوذ الفصائل ومنع تفجر مواجهة عراقية داخلية، مع إبقاء خياراتها مفتوحة أمام أي تصعيد إقليمي مقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى