لماذا يتمسك بوتين بالحرب رغم الضغوط؟

يواصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المضي في الحرب في أوكرانيا، رغم تزايد الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تواجهها موسكو، وتباطؤ تقدم قواتها على الجبهة، وسط رهان داخل الكرملين على أن كييف قد تواجه صعوبات أكبر في مواصلة القتال مع مرور الوقت.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، تراكمت خلال السنة الخامسة من الحرب مجموعة من التحديات أمام روسيا، بينها تباطؤ المكاسب الميدانية، وارتفاع الإنفاق العسكري إلى مستويات تفوق التوقعات، وتزايد الضغوط داخل المجتمع الروسي، بالتزامن مع توسع نطاق الضربات الأوكرانية التي تستهدف منشآت ومصافي نفط ومستودعات ومواقع أخرى داخل الأراضي الروسية.
ورغم ذلك، لا تبدو موسكو مستعدة لتغيير مسارها في الوقت الراهن، إذ تشير التقديرات إلى أن بوتين يرى أن وضع أوكرانيا أكثر هشاشة، وأن استمرار الضغط العسكري قد يمنح روسيا أفضلية أكبر في حال طال أمد الحرب.
وقال مدير مركز متخصص في الشؤون الروسية إن حسابات بوتين لا تقوم بالضرورة على تحقيق انتصار سريع، بقدر ما تعتمد على الحفاظ على قدرة روسيا على مواصلة القتال بوتيرة أفضل من أوكرانيا، انتظارًا لتراجع قدرة كييف على الصمود.
ضغوط متزايدة على أوكرانيا
تأتي هذه الحسابات في وقت تواجه فيه أوكرانيا تحديات عسكرية ومالية متزايدة، أبرزها تراجع احتياطيات القوى البشرية والموارد المخصصة للحرب، إلى جانب نقص أنظمة الدفاع الجوي، ما يزيد من تعرض أراضيها للهجمات الصاروخية الروسية.
كما أصبحت قدرة الدول الغربية على توفير المزيد من صواريخ الاعتراض أكثر محدودية، بعد استنزاف جزء من مخزوناتها خلال الحرب في إيران، في وقت تواصل فيه روسيا إنتاج عشرات الصواريخ الباليستية شهريًا.
وبحسب الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، تتجه موسكو أيضًا إلى كوريا الشمالية للحصول على قدرات إضافية في مجال الصواريخ الباليستية.
ويرى خبراء أن هذا الاختلال قد يعزز اعتقاد الكرملين بامتلاك هامش أفضل لمواصلة الحرب، مع ترجيحات بأن تكثف روسيا خلال الشتاء استهداف البنية التحتية ومنشآت الإنتاج العسكري في أوكرانيا.
تقدم روسي بطيء
في المقابل، لا تعكس التطورات الميدانية تقدمًا روسيًا سريعًا. فبعد مكاسب إقليمية حققتها القوات الروسية خلال أجزاء من عام 2025، تباطأت وتيرة التقدم مع تركيز العمليات على المناطق شديدة التحصين في دونيتسك شرقي أوكرانيا.
ووفق بيانات مجموعة فنلندية متخصصة في التحليل الأمني، لم تتجاوز المكاسب الإقليمية الروسية الصافية 68 ميلًا مربعًا منذ بداية يونيو.
ويتزامن الجمود الميداني مع تعثر المسار الدبلوماسي. فقد أجرى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية زيارة إلى موسكو، عرض خلالها أمام مسؤولين روس تقييمًا للوضع العسكري والاقتصادي، ودعا إلى التوصل لاتفاق ينهي الحرب.
لكن الزيارة لم تنتج مؤشرات واضحة على استئناف قريب للمفاوضات، إذ أكد الكرملين أن ملف محادثات السلام لا يزال معلقًا، ولا توجد في الوقت الراهن أفكار جديدة يمكن البناء عليها.
الحرب تضغط على الداخل الروسي
في الداخل، تواجه روسيا تداعيات متزايدة للحرب مع توسع نطاق الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى واستهداف منشآت اقتصادية وبنى تحتية.
وتعمل كييف كذلك على تطوير صواريخ باليستية محلية، فيما أعرب الرئيس الأوكراني عن أمله في تحقيق نتائج ملموسة في هذا المجال قبل نهاية العام.
وأثارت الهجمات داخل الأراضي الروسية مخاوف بشأن اتساع نطاق الأضرار، بالتزامن مع تكهنات بإمكانية إطلاق موجة تعبئة عسكرية جديدة بعد الانتخابات البرلمانية المقررة الشهر المقبل.
كما لا تزال بعض المناطق الروسية تواجه نقصًا في الوقود، بالتزامن مع هجمات استهدفت مستودعات تابعة لشركتي التجارة الإلكترونية «وايلدبيريز» و«أوزون».
وأظهرت بيانات استطلاع أجراه مركز «ليفادا» أن نسبة الروس المؤيدين للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ بدء الغزو عام 2022.
الاقتصاد يرفع كلفة الحرب
ويتزامن ذلك مع تصاعد المخاوف بشأن مستقبل الاقتصاد الروسي، خصوصًا بعد دخول زيادات ضريبية حيز التنفيذ بهدف المساعدة في تمويل الإنفاق المرتفع المرتبط بالحرب.
كما زاد الروس من سحوباتهم النقدية من البنوك، في ظل انقطاعات متكررة لخدمات الإنترنت أثرت على المدفوعات الرقمية، بينما اتجه بعض الأفراد إلى الاعتماد على النقد بصورة أكبر.
وبدأت شخصيات من النخبة الاقتصادية والسياسية الروسية في توجيه إشارات علنية، وإن كانت محدودة، إلى حجم الضغوط المتراكمة.
وفي يونيو، قال رئيس مصرف «سبيربنك» إن الروس يريدون انتهاء الحرب في أسرع وقت ممكن.
كما حذر عمدة موسكو من تحويل الاقتصاد الروسي بالكامل إلى اقتصاد حرب، معتبرًا أن ذلك قد يلحق أضرارًا كبيرة بالاقتصاد المدني.
وفي مؤشر آخر على حساسية الوضع الاقتصادي، أُقيل كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الحكومي الروسي «في إي بي» بعد تحذيره من تداعيات الحرب على الوضعين التكنولوجي والاقتصادي، ورفضه الرهان على انهيار أوكرانيا باعتباره مسألة وقت.
رهان على عامل الوقت
ورغم الضغوط المتزايدة، يواصل بوتين تقديم الحرب باعتبارها مواجهة طويلة تتطلب الحفاظ على تماسك الداخل الروسي، بينما تعمل السلطات على احتواء أي توسع للمعارضة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية.
كما منعت المحكمة العليا الروسية حزب «يابلوكو» المعارض من المشاركة في الانتخابات، في ظل اكتساب موقفه المناهض للحرب زخمًا أكبر من المتوقع.
ويرى خبراء في الشأن الروسي أن الضغوط التي تواجه موسكو وكييف قد تتطلب تحركًا أميركيًا مستدامًا لإعادة فتح مسار التفاوض وإنهاء الحرب.
وبحسب هذه التقديرات، فإن جزءًا من النخبة السياسية الروسية قد يفضل إنهاء الصراع في وقت أقرب، حتى مع استعداد بوتين لمواصلة القتال خلال الشتاء.
لكن الخطاب الصادر عن الرئيس الروسي خلال الأسابيع الأخيرة لا يعكس تحولًا في هذا الاتجاه، إذ يواصل الدعوة إلى التماسك الداخلي في مواجهة ما يصفه بخصوم خارجيين يسعون إلى إضعاف روسيا، ويربط تصاعد الهجمات داخل بلاده بالضغوط التي تواجهها أوكرانيا على الجبهة.
وبذلك، تبدو استراتيجية الكرملين في المرحلة الحالية قائمة على تحمل الكلفة الاقتصادية والعسكرية للحرب، ما دامت القيادة الروسية تعتقد أن أوكرانيا تواجه استنزافًا أكبر. ويجعل هذا الرهان قدرة الطرفين على الصمود عاملًا حاسمًا في تحديد مسار الحرب خلال الأشهر المقبلة، إلى جانب التطورات الميدانية والمسار الدبلوماسي.




