
مع اكتمال تشكيل مجلس الشعب الجديد في سوريا بعد مرحلة مفصلية من التحولات السياسية، يبرز ملف العدالة الانتقالية كأحد أبرز التحديات التي ستواجه المؤسسة التشريعية الناشئة، في ظل غياب إطار قانوني منظم خلال السنوات الماضية، وتعاظم مطالب السوريين بكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا.
ويُنظر إلى تجربة العدالة الانتقالية في سوريا على أنها من أكثر التجارب تعقيداً مقارنة بتجارب دول أخرى خاضت مسارات مشابهة، نظراً لحجم الانتهاكات وتداخل الأطراف وتعدد الملفات العالقة، وفي مقدمتها قضايا المعتقلين والمفقودين والضحايا. ومع بدء عمل المجلس الجديد، تتجه الأنظار إلى دوره في وضع الأسس التشريعية التي ستحدد شكل المسار القضائي المرتقب، ومدى قدرته على تحويل المطالب الشعبية إلى قوانين وإجراءات عملية.
وخلال المرحلة الماضية، أدى غياب سلطة تشريعية فاعلة إلى فراغ قانوني واضح في ملف العدالة، ما جعل جهود المؤسسات المعنية غير مكتملة أو محدودة التأثير. ومع تشكيل المجلس الحالي، يطرح الشارع السوري تساؤلاً مركزياً حول قدرته على أن يكون مدخلاً حقيقياً لتحقيق العدالة وكشف مصير المفقودين، وضمان حقوق الضحايا وأسرهم، بعيداً عن الانتقائية أو التأجيل.
في هذا السياق، يبرز صوت الناجين من الاعتقال كعنصر أساسي في صياغة مفهوم العدالة، إذ يشدد أحد المعتقلين السابقين، الذي أمضى سنوات طويلة في السجون، على أن العدالة لا تقتصر على محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات، بل تبدأ من كشف الحقيقة الكاملة وتحديد مصير المفقودين، وضمان حقوق ذويهم، وإعادة الاعتبار للضحايا. كما يؤكد أن أي مسار للعدالة يجب أن يشمل جبر الضرر والدعم النفسي والاجتماعي، مع اعتبار الناجين شهوداً أساسيين على الحقيقة وليسوا مجرد ضحايا.
ويطالب الناجون بأن تكون قضايا المعتقلين والمفقودين في صدارة أولويات المجلس الجديد، عبر سن تشريعات واضحة تضمن الكشف عن مصير المختفين قسراً، وإنصاف عائلاتهم، وضمان استقلالية المؤسسات المعنية بهذا الملف، إضافة إلى إشراك المتضررين أنفسهم في صياغة السياسات المتعلقة بهم.
من جهة أخرى، ترى أوساط حقوقية أن نجاح العدالة الانتقالية يرتبط بشكل وثيق بإصلاح منظومة القضاء، باعتبارها المدخل الأساسي لأي عملية محاسبة أو إنصاف. وتدعو هذه الأوساط إلى تشكيل لجنة تشريعية موسعة تضم ممثلين عن البرلمان والقضاء والمجتمع المدني وخبراء قانونيين، لصياغة قوانين متوازنة تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان والتجارب الدولية، مع مراعاة الخصوصية السورية.
كما تُطرح دعوات إلى إصدار تشريعات خاصة بحماية الشهود والضحايا، وضمان سرية التحقيقات، وتنظيم التغطية الإعلامية للملفات الحساسة بما يحفظ كرامة المتضررين. ويشدد مختصون على أهمية وضع معايير واضحة للتعامل مع قضايا المفقودين، بما في ذلك تحديد أوضاعهم القانونية وآليات الاعتراف بهم، إضافة إلى برامج تعويض أو جبر ضرر مناسبة لذويهم.
وفي السياق ذاته، يرى مختصون في القانون الجنائي الدولي أن على المجلس التشريعي القادم تبني تعريفات واضحة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ضمن التشريعات الوطنية، بالاستفادة من المعايير الدولية ذات الصلة، بما يتيح بناء منظومة قانونية قادرة على المحاسبة. كما يدعون إلى إنشاء دوائر قضائية متخصصة تضم قضاة ومدعين عامين مدربين على هذا النوع من القضايا، مع توفير برامج حماية فعالة للضحايا والشهود.
وفي المقابل، تُثار مخاوف من أن تبقى بعض القوانين دون تطبيق فعلي في حال غياب إرادة سياسية واضحة أو استمرار التدخلات في عمل المؤسسات العدلية، وهو ما قد يضعف ثقة المجتمع بعملية العدالة الانتقالية، ويحولها إلى إجراءات شكلية غير مكتملة الأثر.
كما تحذر بعض الأصوات من مخاطر فتح مسارات مصالحة دون استكمال شروط العدالة والمساءلة، معتبرة أن أي تسوية سياسية لا تستند إلى كشف الحقيقة والمحاسبة قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات بدلاً من معالجتها. وتشدد هذه الأصوات على أن المصالحة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا بعد تحديد المسؤوليات القانونية ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة.
وفي ظل هذه التحديات، يبقى مجلس الشعب الجديد أمام اختبار معقد يتمثل في قدرته على الموازنة بين متطلبات العدالة والواقع السياسي، وصياغة تشريعات قادرة على الاستجابة لتطلعات الضحايا، وفي الوقت نفسه ضمان عدم الانزلاق نحو الانتقائية أو تسييس ملف العدالة.
وبين تطلعات السوريين إلى كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا، والتحديات المرتبطة ببناء منظومة قانونية متكاملة، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد شكل العدالة الانتقالية في سوريا، وما إذا كانت ستتحول إلى مسار فعلي للإنصاف والمحاسبة، أم ستظل رهينة التعقيدات السياسية والتشريعية.




