من الموانئ إلى الخرائط.. الصين تعيد رسم البحار

تعمل الصين على تعزيز مطالباتها البحرية في المناطق المتنازع عليها من خلال استراتيجية تعتمد على الأدوات القانونية ودوريات خفر السواحل، بدلاً من اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة، في محاولة لترسيخ وجود فعلي يمتد من محيط تايوان إلى بحرَي الصين الجنوبي والشرقي.
وتأتي هذه التحركات ضمن نهج يهدف إلى بناء واقع جديد في المناطق البحرية المتنازع عليها عبر تكثيف الدوريات، وتوسيع صلاحيات إنفاذ القانون، واستخدام التشريعات المحلية لدعم المطالب الإقليمية.
تايوان في قلب التحركات الصينية
أثارت الدوريات الصينية المتكررة قرب السواحل الشرقية لتايوان توتراً جديداً، بعدما اتهمت السلطات في تايبيه بكين باستخدام ما يعرف بـ”الحرب القانونية” لتوسيع نطاق مطالباتها البحرية والسيادية.
وجاءت هذه التحركات بالتزامن مع مساعٍ من اليابان والفلبين لترسيم الحدود البحرية بين مناطقهما الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، ما دفع الصين إلى الاعتراض على هذه الخطوات، مؤكدة أن لها حقوقاً ومصالح في تلك المناطق.
واقتربت سفن صينية من مناطق قريبة من مدينة هوالين التايوانية، التي تضم منشآت عسكرية مهمة، في إطار ما وصفته بكين بدوريات تهدف إلى حماية الحقوق البحرية والسيادة الوطنية.
التشريعات كأداة نفوذ
لم تقتصر الاستراتيجية الصينية على التحركات البحرية، بل امتدت إلى المجال القانوني، مع دخول قوانين جديدة حيز التنفيذ تمنح السلطات صلاحيات أوسع في التعامل مع ما تعتبره تهديداً للوحدة الوطنية.
وترى تايوان أن هذه القوانين قد تستخدم لتوسيع نطاق الضغط السياسي والقانوني على المجتمع التايواني، إضافة إلى إمكانية استخدامها ضد أفراد أو مؤسسات خارج الصين.
وتقول تايبيه إن اعتماد بكين على التشريعات لتثبيت مطالبها لا يمنحها اعترافاً دولياً، معتبرة أن تكرار هذه الإجراءات يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض والبحر.
توسع في بحر الصين الجنوبي والشرقي
لا تقتصر التحركات الصينية على محيط تايوان، إذ واصلت سفن خفر السواحل الصينية نشاطها قرب مناطق أخرى متنازع عليها، بما في ذلك جزر براتاس ومناطق بحرية تشهد خلافات مع اليابان والفلبين.
كما تصاعد التوتر حول شعاب سكاربورو بين بكين ومانيلا، مع اعتراض الفلبين على زيادة الوجود البحري الصيني في المنطقة، بينما تؤكد الصين أحقيتها في إدارة تلك المناطق.
وامتد الخلاف إلى المجال السياسي بعد فرض بكين إجراءات عقابية على مسؤولين فلبينيين عقب انتقادات وجهت إلى سياساتها البحرية، في خطوة اعتبرتها جزءاً من الرد على ما تراه تدخلاً في قضاياها السيادية.
استراتيجية طويلة الأمد
تشير التطورات إلى أن الصين تتبع نهجاً مؤسسياً يهدف إلى تطبيع وجودها في المناطق المتنازع عليها وترسيخ مفهوم الولاية القضائية عبر الاستخدام المتكرر للقوانين والدوريات البحرية.
كما تأتي هذه التحركات في ظل حالة من الغموض بشأن الموقف الأميركي تجاه تايوان، ما دفع بكين إلى تعزيز رسائلها بشأن أهمية القضية بالنسبة لعلاقاتها مع واشنطن.
وبينما لا تركز التحركات الصينية على تايوان فقط، فإنها تعكس مسعى أوسع لتوسيع النفوذ البحري وتثبيت المطالب الإقليمية عبر أدوات قانونية وإدارية، في وقت تتزايد فيه المنافسة على النفوذ في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.




