أخبــاربلاد الشامنبض الساعةهيدلاينز

مأزق ميداني يعرقل خطة ترامب في غزة

رغم الجهود الأميركية والإقليمية لإعادة صياغة المشهد السياسي في قطاع غزة بعد الحرب، لا تزال حركة حماس تمارس حضورًا أمنيًا وإداريًا واسعًا داخل القطاع، ما يضع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخاصة بمرحلة ما بعد الحرب أمام تحديات سياسية وميدانية متصاعدة.

وفي الوقت الذي تدفع فيه أطراف إقليمية، وفي مقدمتها الوساطة المصرية، نحو تشكيل لجنة فلسطينية من التكنوقراط لإدارة غزة بعيدًا عن حماس، تشير المعطيات الميدانية إلى استمرار قدرة الحركة على فرض سيطرتها الأمنية وإفشال أي محاولات لإقامة بديل سياسي أو إداري لا يحظى بموافقتها، بحسب ما نقلته صحيفة “واشنطن بوست”.

وخلال الأيام الماضية، استضافت القاهرة مشاورات مكثفة بين الفصائل الفلسطينية بهدف التوصل إلى توافق حول تشكيل لجنة تكنوقراط تتولى إدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب، ضمن مبادرة يقودها “مجلس السلام” الذي أنشأته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإدارة المرحلة الانتقالية.

وفي موازاة ذلك، عقد المجلس اجتماعات مغلقة في قبرص لبحث آليات تنفيذ خطته، مؤكدًا أن عملية إعداد قيادة فلسطينية جديدة تسير وفق المسار المرسوم، رغم التحديات التي تعترض تطبيقها على الأرض داخل غزة.

لكن الواقع الميداني بدا مختلفًا؛ إذ دفعت حماس بعناصرها الأمنية إلى الشوارع الرئيسية في مختلف مناطق القطاع، بهدف منع محاولات تنظيم احتجاجات سلمية دعت إليها مجموعة من النشطاء الفلسطينيين في 26 يونيو تحت اسم “حركة 26 يونيو”.

ووفق منظمي الحراك، انتشرت قوات الحركة عند المفارق الرئيسية ونفذت إجراءات مشددة حالت دون تجمع المتظاهرين، ما أدى إلى إلغاء غالبية التحركات قبل انطلاقها.

وقال الصحفي الفلسطيني عبد الحميد عبد العاطي، أحد منظمي الحراك، إن السكان كانوا يخشون مواجهة حماس، في حين كانت الحركة تخشى اتساع رقعة الاحتجاجات، مشيرًا إلى انتشار أمني واسع غير معلن في مختلف مناطق القطاع.

تركزت مطالب “حركة 26 يونيو” على قضايا معيشية وإنسانية، بعيدًا عن الدعوة إلى إسقاط حكم حماس، إذ شملت الدعوات وقف الضرائب المفروضة، وتسهيل إجلاء الجرحى للعلاج، وتحسين الخدمات الأساسية، وضمان حرية التعبير، وتوفير ظروف حياة كريمة في ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة.

وأكد المنظمون أن التحركات لم تكن سياسية بقدر ما كانت مطلبية، وتهدف إلى معالجة الانهيار المعيشي داخل القطاع.

في المقابل، اتهم منظمو الاحتجاجات حركة حماس باستخدام أساليب متعددة لإفشال الحراك، من بينها تهديدات هاتفية، وحملات إلكترونية عبر حسابات وهمية، وضغوط عبر شخصيات محلية مرتبطة بها للتأثير على المشاركين.

كما تحدث سكان عن تحذيرات من فقدان المساعدات الإنسانية أو الخيام في حال المشاركة في الاحتجاجات، إلى جانب ضغوط مورست على وجهاء العشائر للتبرؤ من الدعوات.

وقارن بعض المشاركين هذه الإجراءات بحملة القمع التي شهدتها غزة خلال احتجاجات “نريد أن نعيش” عام 2019.

ومع مرور ستة أشهر على إنشاء “مجلس السلام”، لم تتمكن الإدارة الجديدة المدعومة أميركيًا من دخول قطاع غزة أو تقليص نفوذ حماس، التي ما تزال تدير مؤسسات حكومية وتجمع الضرائب وتشرف على الأجهزة الأمنية والقضائية.

ويرى مراقبون أن الفجوة بين التصورات المطروحة والواقع الميداني لا تزال واسعة، في ظل استمرار سيطرة الحركة على مفاصل الحياة اليومية داخل القطاع.

وتقوم الخطة الأميركية على إنشاء إدارة تكنوقراطية فلسطينية تتولى إدارة غزة بدعم مالي من دول خليجية، مع تشكيل قوة دولية لضمان الاستقرار، تمهيدًا لإبعاد حماس عن الحكم تدريجيًا دون مواجهة عسكرية مباشرة.

وقد أقر مجلس الأمن الدولي هذا الإطار ضمن القرار رقم 2803، فيما يقود المبعوث الأممي السابق نيكولاي ملادينوف الجهود الدبلوماسية بالتعاون مع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي يشارك في إعداد وتأهيل الكوادر الإدارية المقترحة لإدارة القطاع.

كما وافقت مصر على تدريب قوة شرطة فلسطينية جديدة، في حين أبدت عدة دول استعدادها للمشاركة ضمن قوة تحقيق الاستقرار، إلا أن نشر هذه القوات لم يبدأ فعليًا حتى الآن.

ومع استمرار تعثر ملف نزع سلاح حماس، برزت مقترحات لتفعيل ما يُعرف بـ”المادة 17″، التي تسمح ببدء إعادة الإعمار في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحركة.

وبموجب هذه الآلية، يُتوقع تخصيص نحو 17 مليار دولار لإعادة إعمار مناطق في شرق غزة تخضع حاليًا لسيطرة إسرائيلية، بعد إخضاع السكان لإجراءات تحقق بيومترية، وربط الإعمار بإنشاء إدارة مدنية جديدة.

وتقترح الخطة نقل السكان تدريجيًا إلى هذه المناطق، على أن يبقى استكمال الانسحاب الإسرائيلي مرتبطًا بملف نزع سلاح حماس.

كما أفادت تقارير بأن واشنطن قدمت للحكومة الإسرائيلية وثيقة تتضمن مقترحًا للبدء بإعادة إعمار غزة قبل الانتهاء من عملية نزع سلاح الحركة، مع نقل إدارة المناطق الخاضعة لها إلى هيئة حكومية جديدة بحلول نهاية عام 2026، غير أن واشنطن وتل أبيب لم تؤكدا رسميًا وجود هذه الوثيقة.

وتشير محللة سياسية فلسطينية إلى أن التطورات الأخيرة أظهرت قدرة حماس على الحفاظ على سيطرة أمنية فعالة داخل القطاع، إلى جانب نجاحها في إدارة حملات إعلامية مضادة للحراك الاحتجاجي، مستفيدة من حالة الخوف والإنهاك التي يعيشها السكان بعد الحرب.

وتضيف أن اتهامات “الخيانة” لعبت دورًا في تقليص المشاركة الشعبية في أي تحركات احتجاجية، في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها القطاع.

كما ترى أن أي نموذج للحكم الدولي في غزة لن ينجح دون وجود قوة دولية ضامنة للأمن، وجهاز شرطة فلسطيني جديد مستقل عن الفصائل المسلحة، مع ضمانات واضحة لحقوق الملكية والاستقرار.

في المقابل، يعتقد مراقبون أن حماس تعتمد استراتيجية طويلة الأمد للحفاظ على نفوذها السياسي والأمني، مستفيدة من الإرهاق الشعبي الناتج عن الحرب، ما يقلل من احتمالات اندلاع احتجاجات واسعة.

وعلى الجانب الإسرائيلي، يرى مسؤول أمني سابق أن الحكومة الإسرائيلية، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، لا تميل إلى تقليص عملياتها العسكرية في غزة، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتراجع فرص التسويات السياسية السريعة.

ورغم استمرار الحرب، تواصل حماس إدارة جزء كبير من مؤسسات القطاع، بما في ذلك الوزارات والأجهزة الأمنية وجباية الضرائب وإدارة المحاكم، بعد إعادة انتشارها عقب الهدنة الأخيرة.

في المقابل، أعلنت وزارة الصحة في غزة ارتفاع حصيلة الضحايا منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023 إلى عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، مع استمرار عمليات انتشال الضحايا من تحت الأنقاض.

وفي تطور متصل، حذرت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من أن حماس تعمل على إعادة بناء قدراتها العسكرية استعدادًا لجولة قتال جديدة، ما يعكس أن الصراع لا يزال مفتوحًا، وأن خطط إعادة ترتيب المشهد في غزة تواجه عقبات جوهرية على الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى