أخبــاربلاد الجواربلاد المهجر

هل تسلك إيران طريق كوريا الشمالية؟

في ظل تصاعد التوتر بين إيران والغرب، ولا سيما بعد الضربات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، تتزايد التساؤلات في الأوساط السياسية والاستراتيجية حول المسار الذي قد تتبعه طهران في المرحلة المقبلة، وما إذا كان ما يُعرف بـ“النموذج الكوري الشمالي” بات خياراً مطروحاً في ظل تعثر المسارات الدبلوماسية الدولية.

وفي هذا السياق، أعلنت كوريا الشمالية في مارس 2026 أن التخلي عن سلاحها النووي لم يعد مطروحاً، في خطوة رأى فيها مراقبون رسالة موجهة إلى دول مثل إيران، مفادها أن امتلاك الردع النووي الكامل قد يكون الضمان الأكثر فاعلية للبقاء في نظام دولي يتسم بغياب الثقة.

ويرى محللون أن هذا الموقف لا يعكس مجرد خطاب سياسي، بل خلاصة تجربة طويلة استندت إلى متابعة حالات دولية سابقة، من بينها الحالة الإيرانية نفسها، وفق تقديرات عدد من مراكز البحث.

سوابق دولية تعزز الشكوك

وتستند النظرة الإيرانية المتزايدة تجاه المجتمع الدولي إلى سلسلة من السوابق التي عززت القناعة بأن التخلي عن أدوات الردع قد يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة.

ويُشار في هذا السياق إلى تجربة ليبيا عام 2003، حين تخلّى نظام معمر القذافي عن برامج أسلحة الدمار الشامل مقابل تطبيع العلاقات مع الغرب، قبل أن ينتهي النظام لاحقاً إلى السقوط في عام 2011 بعد تدخل عسكري دولي.

كما تُستحضر الحالة الأوكرانية كمرجع آخر، إذ تخلّت كييف عام 1994 عن ترسانة نووية كبيرة مقابل ضمانات أمنية، لكنها واجهت لاحقاً تطورات ميدانية أبرزها ضم القرم عام 2014 ثم الحرب الواسعة في 2022، دون تدخل مباشر من الدول الضامنة.

أما في الحالة الإيرانية، فيُعد الاتفاق النووي الموقع عام 2015 محطة مفصلية، إذ وافقت طهران على تقليص برنامجها النووي تحت رقابة دولية مقابل رفع العقوبات. إلا أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، رغم التزام إيران به، شكّل نقطة تحول أثرت بشكل كبير على مستوى الثقة في جدوى التفاوض.

كما أن محاولات إنقاذ الاتفاق عبر آليات أوروبية بديلة لم تحقق نتائج ملموسة، ما عزز الانطباع لدى أطراف داخلية بأن الضمانات الدولية تبقى محدودة الفاعلية أمام الضغوط السياسية الكبرى.

إيران بين خيارين

ورغم أن بعض المؤشرات تطرح احتمال اقتراب إيران من نموذج شبيه بكوريا الشمالية، فإن الفوارق بين الحالتين تبقى واضحة. فإيران دولة ذات بنية اجتماعية وسياسية معقدة، وانفتاح نسبي على العالم الخارجي، بخلاف النموذج الكوري الشمالي شديد الانغلاق.

كما تختلف البيئة الإقليمية، إذ تواجه إيران خصوماً إقليميين ودوليين مباشرين، في مقدمتهم إسرائيل، التي تعتمد سياسة استباقية تجاه أي تهديد نووي محتمل، ما يرفع من احتمالات التصعيد في أي مسار نووي مستقبلي.

في المقابل، تعتمد كوريا الشمالية على معادلة ردع مختلفة تقوم على التوازن مع كوريا الجنوبية وحلفائها، ما يمنحها هامشاً خاصاً في إدارة التوترات.

كما تمتلك إيران شبكة من الحلفاء الإقليميين، شكّلت على مدى سنوات جزءاً من استراتيجيتها الأمنية غير المباشرة، إلا أن الضغوط الأخيرة على هذه الشبكة قد تدفع طهران إلى إعادة تقييم أدوات الردع المتاحة لديها.

تداعيات إقليمية ودولية محتملة

ويحذر خبراء من أن أي تحول إيراني نحو امتلاك سلاح نووي لن يكون مجرد تطور تقني، بل قد يشكل تهديداً مباشراً لمنظومة منع الانتشار النووي العالمية، ويعيد صياغة قواعد الردع في الشرق الأوسط.

كما أن الموقع الجغرافي لإيران، وقدرتها على التأثير في ممرات الطاقة الحيوية، يمنحان أي تصعيد محتمل أبعاداً اقتصادية وجيوسياسية واسعة النطاق.

وفي الداخل، قد يقود هذا المسار إلى مزيد من التشدد الأمني والسياسي، في محاولة لضبط التحديات الداخلية والخارجية في آن واحد.

أزمة ثقة ممتدة

في المحصلة، يرى مراقبون أن الاتجاه نحو تعزيز الردع الذاتي لا يرتبط فقط باعتبارات داخلية، بل هو انعكاس لأزمة ثقة أوسع في فعالية النظام الدولي وآليات الضمانات متعددة الأطراف.

ومع استمرار تعثر المسارات الدبلوماسية، يظل السؤال مفتوحاً حول قدرة المجتمع الدولي على تقديم بدائل واقعية تمنع انزلاق دول مثل إيران نحو خيارات أكثر انغلاقاً وتصعيداً.

وبينما تتسع هذه النقاشات، تبقى فرضية “النموذج الكوري الشمالي” إحدى السيناريوهات المطروحة، دون أن تكون قد تحولت بعد إلى خيار محسوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى