قاليباف.. خيار واشنطن لترويض إيران

وسط تصاعد مؤشرات التفاوض بين واشنطن وطهران، يبرز اسم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، مرشحا “فوق العادة” لدخول دائرة “رجل المرحلة”، مستنداً إلى نفوذه العميق في الحرس الثوري وتموضعه بين نموذجين تاريخيين مثيرين للجدل.
ويجد قاليباف نفسه اليوم أمام مسارين؛ الأول يستحضر التجربة الأمريكية مع فنزويلا وتطويق الرئيس نيكولاس مادورو لصالح صعود “ديلسي رودريغيز” كوجه تقني للمرحلة. أما النموذج الثاني، فيعيد للأذهان مشهد الجنرال الروماني إيون إيليسكو، الذي خرج من رحم النظام لينقلب على الديكتاتور نيكولاي تشاوشيسكو بعد سنوات من الولاء المطلق، ليقلب الطاولة خفية في أحد أخطر فصول الحرب الباردة.
يرى خبراء أن أدوات القوة لدى محمد باقر قاليباف لا تقتصر على مشواره العسكري الطويل كأحد رموز النظام فحسب، بل تمتد لتشمل قدرته الفريدة على ضبط إيقاع الحرس الثوري، الذي يمثل القوة الحقيقية الحاكمة في البلاد.
وفي هذا السياق، أوضح باحث استراتيجي أن الاستراتيجية الأمريكية الحالية تميز بوضوح بين مفهومي تغيير النهج أو إسقاط النظام، معتبراً أن الأهداف التي تتبناها واشنطن في تعاملها مع طهران تختلف جوهرياً عن الرؤية الإسرائيلية التي تدفع باتجاه الإسقاط الكامل؛ ما يعزز من فرص قاليباف كـ”رجل تسوية” مقبول دولياً وقادر ميدانياً.
وفسر الباحث بالقول إن واشنطن طمحت في إيران، لتغيير على الطريقة الفنزويلية بأقل الخسائر وأسرع وقت مع نتيجة سياسية مرجوة كما جرى في كراكاس عبر شخصية من النظام وكان ذلك مع رودريغيز، نائبة مادورو.
وهذا النموذج من الممكن أن يتكرر مع قاليباف الذي بات اليوم الشخصية الأقوى في النظام الإيراني ومن الممكن أن يحقق مطالب الأمريكيين وإن لم يقم بذلك، سيكون مصيره مثل أمين مجلس الأمن القومي السابق، علي لاريجاني.
فيما يرى خبير في الشؤون الإقليمية، أن مسألة الفشل أو النجاح من حيث المنظور الأمريكي، لا تعتمد في هذه الفترة على سقوط النظام أو بقائه والدليل أنهم يقولون إننا حققنا أغلب ما نريد.
وأضاف أن إدارة ترامب تراهن في الوقت الجاري على الداخل الإيراني، لذلك انضبط الاختيار على قاليباف للتحاور والتفاوض معه في خطوة مسبقة لإعلان الهدف السياسي الذي تريده واشنطن.
وتكمن القناعة بإحراز ما رغبت فيه الإدارة الأمريكية والانتقال للهدف السياسي، مع ضرب أكثر من 9 آلاف هدف نتج عنه تدمير الترسانة العسكرية والمرافق الحيوية الإيرانية، في حين أن ما كان يخرج من طهران وفق زنكنة، ردود فعل عشوائية للضربات.
وقد يكون تحقيق الهدف السياسي الأمريكي في تغيّر النظام بحسب زنكنة، في نموذج قاليباف، وهو أحد الجنرالات المهمين بالجيش الإيراني وترشح للرئاسة 3 مرات في 2005 و2013 و 2017 وكان أحد المرشحين الأقوياء في المرة الرابعة أمام مسعود بزشكيان، لكنه انسحب في اللحظة الأخيرة.
وقال الخبير إن قاليباف لم يكن محظوظا سياسيا لكن حظوظه كانت عسكرية في قيادته لمقر خاتم الانبياء وإدارته لبلدية طهران التي يشترط أن يكون رئيسها عسكريا، وتواجده كمستشار أكثر من مرة في وزارة الدفاع.
وتولى قاليباف عدة مناصب عسكرية مهمة وذهب لرئاسة البرلمان، ولكن يبدو أنه يريد أن يثأر لنفسه، وأن يكون حضوره السياسي القادم مناسبا لتاريخه، وهو ما قد يحفزه في التعامل على خط التفاوض مع الأمريكيين.
ولكن يتصور الخبير أن ذلك قد ينتج عنه سيناريو مشابه لرومانيا بعد انتهاء حكم الديكتاتور التاريخي نيكولاي تشاوشيسكو، حيث جرى الإنقلاب عليه من أحد الجنرالات الموالين له وأمسك بالبلاد لفترة تخللتها فوضى كبيرة إلى أن أستقرت.
ويشير هذا التشبيه إلى قدرة قاليباف، كعسكري من داخل بنية النظام، على لعب دور “رجل التحول الجذري” الذي يمتلك الشرعية الثورية والجرأة السياسية في آن واحد؛ ما قد يؤهله لقيادة مرحلة انتقالية تعيد صياغة علاقة طهران بالعالم، تماماً كما فعل إيليسكو حين قاد رومانيا نحو عهد جديد بعد عقود من الانغلاق.
وهناك مخاوف من أن يكون قاليباف في هذا الصدد “كبش فداء” كما يتوقع زنكنة، ما بين استهدافه إيرانيا حال نجاح المفاوضات وشعر أتباع المرشد مجتبى خامنئي، إن كان حيا، بأنه يريد الزعامة، أو التصفية إسرائيليا، حال فشلت المباحثات.




